إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

28 - 2 - 2020م

4 رجب 1441 هـ

العدد 1063

 

مقالات ودراسات

 

هذه المقالات والتحقيقات والدراسات مع التقدير والاحترام للأساتذة الكتاب
تعبر عن رأي ورؤية كاتبيها ومصادرها ولا تمثل وجهة نظر "رسالة الإخوان"

 

 

 

 

حول ذكرى استشهاد البنَّا

 

الشيخ كمال الخطيب

نائب رئيس الحركة الإسلامية بفلسطين

 

قال الشيخ "أحمد عبد الرحمن البنَّا: "لم يولد لي ولد مُدَّة حتى اشتقت إلى الولد فدعوت الله سبحانه وتعالى أن يرزقني ولدًا ذكرًا صالحًا، ورأيت ولدًا صغيرًا يُصلي فأعجبني فقلت: ويصلي كما يصلي هذا، وأن ينبته الله نباتًا حسنًا، فولد لي ولد ذكرٌ وسميته الحسن؛ لأني لما تزوجت خاطبَتْ والدتي زوجتي بقولها: يا أم الحسن".

هذا هو "حسن البنَّا" الإمام الشهيد مؤسس جماعة (الإخوان المسلمون)، والذي كان يوم أمس الخميس 12 فبراير ذكرى استشهاده الخامس والخمسين، فإنه رحمه الله قد قتل اغتيالاً يوم 12 فبراير 1949م الموافق 14 ربيع الثاني= 1368هجرية.

"حسن البنَّا" ذلك الاسم الذي ملأ مسمع الدنيا وبصرها، والذي كان اسمًا على مسمَّى فاسمه "حسن البنَّا" وهو قد أحسن بناء جماعة (الإخوان المسلمون) التي يعتبرها كل المراقبين أمَّ الحركات الإسلامية، وإليها يرجع الفضل بعد الله تعالى للنهضة والصحوة الإسلامية الحديثة التي برزت في الشرق الإسلامي، وكل هذا في فترة زمنية قصيرة، ذلك الإمام الشهيد قد ولد سنة 1906م، واستشهد في العام 1949م، فكانت سنوات عمره ثلاثًا وأربعين سنةً، فيها وخلالها ترك الإمام الشهيد بصماته واضحة على صعيد مصر؛ لا بل على العالم العربي؛ لا بل على الساحة العالمية كلِّها، "حسن البنَّا" ذلك الطفل الذي حفظ القرآن كله وهو ابن تسع سنين، وكان تحصيله المميز بأن كان الخامس على القطر المصري كله في المرحلة الابتدائية لإعدادية، قد أهله للقبول في كلية (دار العلوم)، وهي كلية تأهيل المعلمين؛ حيث كان يقسم وقته بين تعليمه وبين مساعدة والده في تصليح الساعات؛ حيث كان يطلق على والده (الساعاتي).

عُيَّنَ "حسن البنَّا" معلِّما في الإسماعيلية سنة 1927م؛ حيث أصبح بعد دوامه اليومي يتجول على البيوت وفي المقاهي ليعظَ الناس، ويذكرهم بأمور دينهم وهو ابن الحادية والعشرين؛ حيث أهل مصر وكل المسلمين يومها ما يزالون يعيشون مرحلة الذهول التي أصابتهم بسقوط دولة الخلافة الإسلامية عام 1924م، وحيث جَثَم الاستعمار على بلاد المسلمين، وأصبح المسلمون كالشاة في الليلة المطيرة.

وقد استجاب لذلك الشاب المتوقد المثابر الصادق نفر من أهل الإسماعيلية، كانوا يلتزمون يومًا إثر يومٍ حتى تعاهد معه ستة رجال صادقين على العمل للإسلام بشكل جماعي، وأطلقوا على أنفسهم جماعة (الإخوان المسلمون)؛ حيث يصف- رحمه الله - في مذكراته لقاءهم الأول الذي كان في غرفة متواضعة يجلسون على حصير، ويضيء لهم سراج خافت، وهم يبكون على حال الأمة وما آلت إليه أوضاع المسلمين.

أعجب أهل الإسماعيلية بهذا المعلم المؤمن الغيور على دينه فوقفوا إلى جانبه وساندوه، وكان منهم أحد وجهاء الإسماعيلية الحاج "حسين الصولي"، والذي انضم كل أولاده إلى جماعة (الإخوان المسلمون)، وليس هذا فحسب؛ بل إن الحاج "حسين" قد بادر هو وزوَّج المدرس "حسن البنَّا" ابنته "لطيفة" فكانت فعلاً على ميزان الله واختياره (الطيبات للطيبين)، وقد رزقه الله منها خمس بناتٍ وولدًا ذكرًا واحدًا؛ أما بنات الإمام البنَّا فهن: "سناء"، "وفاء"، "رجاء"، "هاجر"، "استشهاد"، وهي التي ولدت بعد استشهاد أبيها، أما الولد فاسمه "أحمد سيف الإسلام".

"حسن البنَّا" أو (معلم الصبيان) كما كان يحب شانئوه أن يسموه ويلقبوه ومجدِّد القرن العشرين كما يسميه المنصفون استطاع خلال عشرين سنة أن يوصل الصوت الإسلامي ليس فقط إلى كل أرجاء مصر؛ بل لقد انطلقت دعوته حتى وصلت إلى فلسطين وسوريا والأردن والحجاز وشمال إفريقيا، وهي التي لها اليوم أبناء وأنصار في أكثر دول العالم؛ وذلك لأنها الحركة والدعوة التي نهجت المنهج الشمولي والوسطي والحركي، فكانت محط أنظار وقبول الخيرين والصادقين، وليس هذا فحسب؛ بل إن وقوف الإمام البنَّا وجماعته ضد الوجود الإنجليزي الاستعماري في مصر، ثم قيام جماعة (الإخوان المسلمون) بالمشاركة الفعالة في الدفاع عن فلسطين ماديًّا وعسكريًّا؛ حيث كتب في هذا أديب مصر الكبير "مصطفى صادق الرافعي" مقالته المشهورة (الأيدي المتوضئة)، مشيدًا بـ(الإخوان المسلمون)، وما قاموا به، ولعل مشاركتهم الفاعلة كمتطوعين في معارك (العسلوج) و(بئر السبع) و(الفالوجة) و(عراق المنشية) و(بيت جبريل) و(الخليل) و(صور باهر)؛ حيث وصلوا أطراف القدس الغربية لولا الخيانات الرسمية للأنظمة والحكومات العربية التي أوقفتهم.

كل هذا العطاء والفدائية جعلت "موشي ديَّان" يقول في مؤتمر صحفي عقده في أمريكا عام 1948م - ويروي ذلك الأستاذ "محمد شمس الدين السناوي" فيقول -: "إن أحد الصحفيين سأل "موشي ديان" قائلاً: "هل يستطيع أن يضمن بقاء إسرائيل وسط دول كثيرة تعاديها وتضمر الشر؟" فرد "موشي ديان" قائلاً: "إن إسرائيل لا تخشى لقاء هذه الدول مجتمعة أو متفرقة فهي كفيلة بهزيمتهم؛ لكنها تكره أن تلقى فئة واحدة فقط هم (الإخوان المسلمون) وستكفينا حكومتهم مؤنتهم".

وفعلاً، ففي يوم 10/11/ 1948م اجتمع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا في مصر، وأوصوا لخادمهم في مصر الملك "فاروق" بحل جماعة (الإخوان المسلمون)، وهذا ما كان يوم 4/12/1948م بمنع إصدار صحيفة (الإخوان) اليومية، وفي 8/12/1948م أصدرت وزارة الداخلية أمرًا بحل جماعة (الإخوان) ومصادرة مدارسهم وشركاتهم واعتقال العائدين من مجاهديهم في حرب فلسطين؛ لا بل تمَّ اعتقال كل قيادات الإخوان إلا الإمام "البنَّا" رحمه الله فقد قطعوا عنه التليفون وسحبوا منه مسدَّسه المرخَّص الذي كان معه، واعتقلوا أخاه الضابط "عبد الباسط" الذي كان يرافقه في تنقلاته، وقد شعر الإمام "البنَّا" بأن هذه ملامح ومقدمات لأمر ستقوم حكومة الملك "فاروق" بتنفيذه امتثالاً لأمر بريطانيا، وكان يُدرك أن رأسه هو المطلوب، وقبل استشهاده بأسبوع كان يقول لمن طالبوه بمزيد من الحذر، متمثلاً بما قاله الإمام الشافعي:

أي يومي من المـــوتِ أفِرُّ؟!           يومٌ لا يُقْــدَرُ أو يومٌ قُـــدِر

يومٌ لا يـــُـقدر لا أرهــــبُ              ومن المقدور لا يُنجي الحَذَر!!

ومن المفارقات ليلة اغتيال الأستاذ "البنَّا"، فقد استيقظ رحمه الله من نومه وقد رأى في المنام الإمام "علي" كرم الله وجهه، وفسر لنفسه الرؤيا بأنه ربما يستشهد ذلك اليوم؛ حيث إن الإمام "علي" قد اغتيل اغتيالاً حيث قتله "ابن ملجم"، وقد نادى الأستاذ "البنَّا" ابنته الكبرى وأخبرها برؤياه وأوصاها بإخوتها وأخيها خيرًا.

وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم 12 فبراير 1949م؛ حيث كان هذا اليوم هو يوم ذكرى ميلاد الملك "فاروق" تم اغتيال الأستاذ "البنَّا"، وكأن رأسه قُدم هدية للملك عميل بريطانيا في ذكرى ميلاده، وكان عمر الأستاذ "البنَّا" 42 سنة، وقد صدرت الأوامر بمنع أن يسير في الجنازة إلا النساء من أهل بيته ووالده العجوز والزعيم القبطي "مكرم عبيد" فقط؛ حيث منع جيرانه ومحبوه وأبناء دعوته من المشاركة في الجنازة.

وفي وحشة الشارع المقفر من الغادي والرائح إلا من هذه الجنازة المتمهلة الفريدة، ارتجت المنازل من الجانبين، واجهشت بالبكاء تلك العيون التي كانت تطل بصمت من الشرفات والنوافد وهم يرون "حسن البنَّا" العظيم يحمل على كتف زوجته وبناته ووالده العجوز إلى مقره الأخير.

نعم لقد قُتل الأستاذ "البنَّا" في أكبر شوارع القاهرة شارع "الملكة نازلي"، وبسلاح حكومي حيث ترك ينزف دمه على الرصيف، وقد مُنع الأطباء من تقديم العلاج له؛ حيث نقل إلى المستشفى وترك ينزف، كما روى أحد الأطباء ممن كانوا هناك، ولما كان القاضي هو الخصم فقد سجلت القضية ضد مجهول حتى كان انقلاب (الضباط الأحرار) عام 1952م وزوال الملكية؛ حيث تقدم شاب اسمه "رسول الناغي"، وكان شاهدًا على عملية الاغتيال؛ لكنه خاف من أن يتقدم بشهادته وكان ما قاله: إن رقم السيارة التي قُتل الأستاذ البنَّا بواسطتها هو (9979) حيث تبين أنها هي سيارة الأميرلاي "محمد عبد المجيد" مدير المباحث الجنائية، حيث أعيد فتح الملف من جديد، وكان القاتل "أحمد حسين جاد" والسائق "محمد محفوظ محمد" والسيارة للأميرلاي "محمود عبد المجيد" وصدرت الأحكام ضدهم عام 1954م؛ لكن "جمال عبد الناصر" أفرج عن بعضهم نكاية بالإخوان المسلمين حينما اصطدم بهم.

مواقف من حياة الإمام الشهيد:

إن اليد التي تمتد لا تستطيع أن ترتد:

جاء مبعوث من السفارة الإنجليزية إلى دار (الإخوان المسلمون) وقابل الإمام الشهيد وقال له: "إن بريطانيا من خططها مساعدة الجمعيات الدينية الاجتماعية، وهي تقدر جهودكم ونفقاتكم لذلك فهي تعرض عليكم خدماتها دون مقابل، وقد قدمنا مساعدات لجمعية كذا وكذا ولفلان وفلان، وهذا شيك بعشرة آلاف جنيه معونة للجماعة" فتبسم الإمام الشهيد وقال: "إنكم في حالة حرب وأنتم أكثر احتياجًا إلى هذه الآلاف، فأخذ المبعوث الإنجليزي يزيد في المبلغ، والإمام الشهيد يرفض، وكان بعض الإخوة الحاضرين يتعجبون ويتهامسون لم لا نأخذ المال ونستعين به عليهم؟ فكان جواب الإمام الشهيد لهم: "إن اليد التي تمتد لا تستطيع أن ترتد، واليد التي تأخذ العطاء لا تستطيع أن تضرب، إننا مجاهدون بأموالنا لا بأموال غيرنا وبأنفسنا لا بروح غيرنا" .. فهل يسمع ويقرأ كلام الخالدين هذا ادعياءُ القومية والوطنية الذين يدعون أنهم يريدون مواجهة أمريكا والغرب بينما أيديهم تمتد بذُلٍّ وهي تتلقى من صناديق الدعم الأمريكية؟!

 

لا هتاف للأشخاص:

في مؤتمر الطلاب الذي انعقد بدار (جمعية الشبان المسلمين) بالقاهرة عام 1938م خطب الإمام الشهيد، فتحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة "حسن البنَّا"، وبرغم عدم استجابة الحاضرين لهذا الهتاف إلا أن الأستاذ المرشد وقف صامتًا لا يتحرك برهة فاتجهت إليه الانظار في تطلع ثم بدأ حديثه في غضب وقال: "أيها الإخوان إن اليوم الذي يهتف فيه في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدًا، إن دعوتنا إسلامية ربانية قامت على عقيدة التوحيد، فلن تحيد عنها، أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس الأصول التي آمنا بها وهتفنا بها (الرسول قدوتنا) .. فهل قرأ هذه الدرر وسمع عنها أولئك الذين يسمنون على هتاف الجماهير باسمهم وتصفيقها لأشخاصهم، فأين مَن يقود الجماهير ليوصلها إلى تحقيق مصالحها مَن الذين يقودون الجماهير لتحقيق مصالحهم هم؟!

 

شاي بملح:

زار الإمام الشهيد إحدى قرى الصعيد، وأقام الإخوان احتفالاً كبيرًا في هذا اليوم، وبعد انتهاء الحفل ألحَّ أحد الفلاحين على الإمام أن يزوره في بيته، وكان عدد الإخوان الذين يدعونه للزيارة كبير فقبل الإمام الشهيد - أمام الإصرار الشديد - الزيارة بشرط أن يكون وحده لئلا يتكلف هذا الأخ الفقير ما لا يُطيق وألا تتجاوز الزيارة فنجان شاي.

ووصل الإمام الشهيد وطلب الرجل الفرح الملهوف من زوجته إعداد الشاي بسرعة وجعل الإمام يشرب الشاي، وكلما أخذ رشفة تبسم وآنس الرجل، ثم عاد إلى إخوانه المنتظرين وقد ودَّعه الرجل بكل حفاوة، ثم رجع إلى بيته سريعًا وتناول فنجان الشاي الذي شرب منه الإمام ليشرب منه ما تبقى من الشاي طمعًا بأن يكون في هذا تقربًا وبركةً وشفاءً، وقد وجد الرجل قليلاً من الشاي؛ ولكنه وجد عجبًا؛ حيث إن الشاي قد وضعت فيه زوجته بدل السكَّر مِلحًا لشدة لهفتها واستعجالها.

كم كان الإمام "البنَّا" عظيمًا وهو يعلم مدى فرحة هذين الزوجين بدخوله بيتهما فما أراد أن يعكِّر هذه الفرحة بإشعارهما بأن الزوجة وضعت المِلْح بدل السكَّر، فاحتمل على نفسه - رحمه الله - وهو يضحك ويبتسم.

 

لا نستعين بمن يعصي الله:

عندما قام الإخوان بعمل مظاهرات في مصر انتصارًا لقضية فلسطين عام 1936م استدعى رئيس النيابة في القاهرة الإمام الشهيد للتحقيق معه، وقبل أن يدخل مكتب النائب العام تقدم أحد المحامين يطلب من الأستاذ المرشد أن يدخل معه أثناء التحقيق فيقوم بالدفاع عنه؛ ولكن الأستاذ البنَّا لاحظ أن المحامي يمسك بسيجارة - مع العلم أن الوقت كان شهر رمضان المعظم - فقال له الإمام المرشد رحمه الله: "نحن لا نستعين بمن يعصي الله في طاعة الله تعالى".

 

هذا هو "حسن البنَّا" وهذه هي مواقفه ودعوته التي استشهد لأجلها، إنها رسالة الفهم الشمولي للاسلام، كما قال عنها رحمه الله ولقد فضحت الأيام وكشفت زيف من اعتقلوا وشنقوا وأعدموا أصحابه من بعده أيام حكم "جمال عبدالناصر" تحت زعم العمالة لأمريكا، فلقد أظهرت الأيام من كانوا فعلاً عملاء لأمريكا وإسرائيل، ومن هم الوطنيون الصادقون حقًّا.

ولئن كنَّا لم نلتق بالإمام البنَّا ولم نتواصل مباشرةً مع تلاميذه، لكنَّنا نعتز أننا فهمنا الإسلام الشمولي وبعزة وشموخ من خلال هذه المدرسة الخالدة، رحمة الله عليك أيها الشهيد الحي وأخلف الله الأمة خيرًا منك.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولإخواني رهائن الأقصى بالمغفرة .. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21) .

 

 

 

 © 2020 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين