إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

7 - 8 - 2020م

17 ذو الحجة 1441 هـ

العدد 1083

 

مقالات ودراسات

 

هذه المقالات والدراسات مع التقدير والاحترام للأساتذة الكتاب
تعبر عن رأي ورؤية كاتبيها ومصادرها ولا تمثل وجهة نظر "رسالة الإخوان"

 

 

 

 

 

انتهاء معارضة مصرية في المنفي

وعلاجات الآخرين

 

بقلم د. عز الدين الكومي

 

كتب الدكتور خيري عمر أستاذ العلوم السياسية مقالا تحت عنوان: "انتهاء معارضة مصرية في المنفى" نشره في موقع جريدة "العربي الجديد" بتاريخ 31 يوليو 2020م، استعرض فيه حال المعارضة المصرية المتواجدة خارج مصر .. واختتمه بخلاصة في سطوره الأخيرة بقوله: "تقع المعارضة المصرية تحت عيبين حاسمين: صعوبة إعادة البناء واستمرار تحلل الكيانات المعارضة، ومرورها بحالة من الاغتراب السياسي، والأخلاقي" بعد عدة محاور تناولها والتي جاءت كالآتي:

- من البناء إلى الانفراط.

- عيب تأسيسي عندما وضعت أهدافها على افتراض سقوط الحكومة، وبمرور الوقت انحسر تأثيرها في مصر.

- حالات الانهيارات دون ظهور كيانات قابلة للاستمرار، فقد اتسم العمل المشترك بالسيولة الحركية.

-  فقدان الديمقراطية الداخلية ومحدودية الانتشار عوامل حاسمة في انحدار أداء المعارضة، ثم توقفها عن العمل.

-  تواجه جماعة الإخوان المسلمين نزيفاً سياسياً، بسبب طول فترة أزماتها الداخلية ومع الدولة.

- عانت المعارضة من مشكلتين: تجنب مكوناتها إجراء مراجعة داخلية، وعدم القدرة على تطوير المطالب السياسية.

وتعرض الكاتب للمعارضة المصرية في الخارج وتشكيلاتها التي أشار إليها والاختلافات بينها، وعدم وصولها حتى الآن إلى النموذج الأمثل، وعدم الاستفادة من خبرات سابقة، مع سيل من الاتهامات مثل السيولة السياسية وفراغ المشهد من محاولات تنشيط البدائل الفكرية والتنظيمية!

ومن الغريب أن يتغافل الكاتب في مجال نقده وحملته على المعارضة المصرية، وعلى جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص عن مرامي القيام بالانقلاب العسكري ومن دعمه ومن كان خلفه.

 

مع المعارضة:

تعرض الكاتب للمعارضة المصرية في الخارج وتشكيلاتها والاختلافات بينها، وعدم وصولها حتى الآن إلى النموذج الأمثل في الأداء، وعدم الاستفادة من خبرات سابقة، مع سيل من الاتهامات مثل السيولة السياسية وفراغ المشهد من محاولات إيجاد البدائل الفكرية والتنظيمية!

مقولات كان من المفترض ألا تأتي مرسلة في مقال لباحث جاد، فالمفترض أن يكون قد قام بلقاء كل فصائل المعارضة التي أشار إليها وطرح عليها أسئلة محددة تعطيه الرؤية الصحيحة لمواقفها، ووقف على أهدافها والعوائق التي تقف أمامها والعلاقات بين أعضائها.

وللأسف لم يبذل الدكتور خيري مثل هذا الجهد الأساسي والضروري ولم يقم بتكليف باحث جاد آخر للقيام بهذه المهمة، فمدى معرفتي أن هناك فصائل مقاومة عاملة وجادة في عملها ووصلت بالقضية إلى ساحات واسعة، ولم يستطع الانقلاب دفعها إلى ما كان يخطط لها من سياسات، وهي صاحبة الحق في الحديث عن نفسها،

ولكن وفي الحقيقة فإن ما جاء في المقال عن المعارضة المصرية في المنفى ما هو إلا أحاديث مرتبكة تجري وسط بيئة المهجر ولا تخلو من رؤى شخصية متأثرةً بصدمة الهجرة، وتأثير الخلافات الحزبية التي صاحبت قوى المعارضة في غربتها، علاوة على انعدام التواصل الشخصي قبل الهجرة وهو من أهم عوامل الربط لأي مشروع وطني ناجح، إضافةً إلى سياسة العسكر من ستين عاماً التي لا تعترف أصلاً بالمعارضة ونجحت إلى حد كبير في مسعاها وتعاملت بعنف ولا أخلاقية لوأد بعض تجاربها، مع افتعال أحداث ومقولات كاذبة تجعل الكل ضد الكل لإفقاد المجتمع كله - وليس المعارضة فقط – قدرة الوصول إلى الحقيقة .. أية حقيقة.

 

مع الإخوان:

أعفانا الكاتب عندما قصر حديثه على المعارضة في المنفى ووصمها بالاغتراب السياسي والأخلاقي، ولم يذهب بحكمه إلى الوضع في الداخل.

تحدث المقال عن أن شرعية الرئيس محمد مرسي أزاحت مطالب الشرعية دون ابتكار بدائل أخرى، ومع فراغ المشهد حدث انزواء لمطالب التغيير، ووضعت الإخوان المسلمين أمام حيرة، وأنها لم تفطن إلى احتمالية انقضاء موضوع الخلاف مع 2013م.

وأدعى أن الجماعة تلوم المحبوسين على ارتباطهم بالجماعة وتقول أنها ليست المسؤولة عن اعتقالهم، كما أنها بعد وفاة الدكتور مرسي بدت أكثر استسلامًا للوضع القائم.

وتحدث عن الاتصال الذي حدث بين الأستاذ إبراهيم منير والفنان المقاول محمد علي، وطرح تساؤلاً عن سبب عدم استجابة الجماعة لدعوة التظاهر التي اقترحها محمد علي.

وأشار إلى أن الأحكام الصادرة عن محكمة النقض توطد تصنيف الجماعة منظمة إرهابية بما يتيح عزلها سياسيًا وتجريدها من كل مواردها.

وقبل أن ينتهي إلى كلماته الأخيرة فقد تحدث عن فراغات وخلافات وغياب مشاريع.

ومقاله بشكل عام الذي خلص فيه إلى انتهاء المعارضة، يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) ومأثور عن الفقهاء أن أحد معاني هذا التوجيه النبوي ازدراء القائل للناس واحتقارهم.

ولأننا نعلم أن هناك من ينتشي لمثل أحكام الكاتب حول قوى المعارضة وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين ويرحب بها وفقا لمقولة "بيدي لا بيد عمرو"، نراهم بحواسنا ونسمعهم في لحن القول، وهو ما يفرض علينا الرد في الحدود التي تمليها علينا أخلاقنا ومبادؤنا والتزاماً بسلوكيات معارضة ناضجة لا تسعى لإثارة الخلاف بين قواها، وهو ما نُوضحه في العناصر التالية:

أولاً: أي حديث عن جماعة الإخوان المسلمين يتجاهل تاريخها خلال التسعين عاماً الماضية ودورها الدعوي والوطني وما واجهته من أحكام الطوارئ والمحاكم العسكرية وكيد بعض القوى، وفي كل محطة من محطات البلاء، تطفو على السطح مقولة (انتهت الجماعة أو هلكت الجماعة) ولكن بفضل الله سبحانه وحده وقدره الحكيم، كانت محصلة الأحداث، هلاك الظالمين وبقاء الجماعة محافظة على مبادئها وثوابت فكرها وما تدعو إليه.

ثانياً: نحن في جماعة الإخوان المسلمين سنظل بإذن الله جسداً واحداً وإن تعددت الساحات التي نعيش ونعمل فيها، بأهداف واحدة ورؤى واحدة، مع تنوع صور وأشكال العطاء.

ثالثاً: إن تجاهُل أي باحث لكافة دقائق الصورة أو سمات عمل الجماعة حتى في أصغر المواقف، تجعل أحكامه عليها ونقده لها غير صحيحة ومتجاوز للحقيقة.

رابعاً: ثوابت الشرعية السماوية ثم في العمل الوطني لدى الجماعة لم ترتبط طوال حياتها بشخص واحد، بمعنى أنه إذا ذهب القائد أو الرمز إلى لقاء ربه سبحانه، أو ابتعد أحد عن مبادئها وسياساتها فلم ولن يأخذ الجماعة معه إلى طريقه مهما كانت صورة الأحداث.

خامسًا: فيما يخص الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي (ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً) فقد كان بصبره وثباته ووفائه لعهده أمام الله سبحانه بالحفاظ على مصر كلها وبكل ما جاء في دستورها، علامة منيرة وقبس هادي في تاريخ مصر وليس لجماعة الإخوان المسلمين فقط.

ونعود إلى مقال الكاتب الذي جاء بطريقة توحي بأن الرئيس الشهيد كان شأنا خاصاً بالجماعة فقط، كما لم يظهر موقفه هو من شرعية الرئيس عندما كتب يقول (من الناحية الفكرية ظهرت تحولات عجيبة في الموقف من استعادة الشرعية، وهذا ما يرجع إلى حالة الفراغ الفكري، فبينما نافح الإخوان المسلمون عن عودة محمد مرسي، فإن وفاته وضعتهم أمام حيرة في النظر إلى المستقبل).

ولا ندري لماذا لم يشر الدكتور خيري إلى بيان الإخوان الذي أعلنت فيه بعد استشهاد الرئيس أن الشرعية عادت إلى الشعب وإلى الغالبية التي أوصلت الرئيس إلى الرئاسة وهو ما يخصها جميعها وليس من انتخبه من الإخوان المسلمين فقط.

سادساً: تناول الكاتب في مقاله تحت عنوان " أولويات متنافرة " وفي صياغة مرتبكة بعض شئون الجماعة، لا يملك المرء إزاءها إلا أن يقول:

إن مثل هذا الحديث لا يمكن أن يصدر عن باحث عاش الأحداث ولم يقرأ عنها في صفحات جريدة يصدرها انقلاب عسكري أعلن في بداياته إنه لن يحاكم أي ضابط يقتل أي معارض، والدنيا كلها رأت وسمعت باقي المجازر التي قام بها،

فبعيداً عن زيف اتهام الجماعة بالمسؤولية عن اعتقال أعضائها ... فماذا يقول أي باحث منصف عن قياداتها المختطفين في السجون والأحكام الهزلية باتهامات زائفة، وماذا أيضاً عن غيرهم والذين كانوا في صف الانقلاب ثم صحت ضمائرهم وتحركت ألسنتهم بكلمة حق فألحقهم الانقلاب بمن كانوا يعارضونهم ... وماذا عن من تجرأ وتقدم للترشيح للرئاسة وألحقه الانقلاب بالإخوان في سجونه؟!.

الحديث على ما فيه من تجني ليس مرتبطاً بسلوك للانقلاب الحديث فلو عاد أي باحث لإعلام حركة 1952م سيجده نفس السمات بنصه وحرفه وأهدافه.

أما الاستشهاد بأحكام محكمة النقض وإعطائها الاعتبار في اتهام جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب واعتماد ما يقال عنها قوانين يضعها الانقلاب بأثر رجعي، وبعد سعي طوال ستين عاماً عملت فيها الأنظمة المتعاقبة على إيجاد قضاء مدني موازي يقوم بمثل هذه المهام من الألف إلى الياء، وبلغت أوج نجاحها عندما شارك رئيس المحكمة الدستورية العليا مع زميله رئيس محكمة النقض في مشهد إعلان الانقلاب العسكري في الثالث من الشهر السابع في 2013، فهل يجوز بعد ذلك الحديث عن وجود أي مرجعية لمحكمة النقض .. نقولها وقلوبنا تبكي، لا على الضحايا فقط ولكن أيضاً عن فقدان ميزان العدالة الذي يمكن أن يقال عنه أنه ذهب إلى القبر مع أول شهيد لأول رصاصة أطلقتها الطغمة الانقلابية، وتبقي ثقتنا بالله قائمة بأن أطهار النظام القضائي في مصر وفي كل درجاته سيبقون صابرين قابضين على جمرة النار حتى يعود القضاء العادل وميزانه المنصف الذي عصفت به الطغمة الانقلابية.

سابعًا: تحت عنوان "جماعة الإخوان المسلمين تواجه نزيفاً سياسياً"، واصل الكاتب حديثه عن الجماعة بالقول: (أن مطالب المحبوسين لقيت اهتماما ثانوياً في سبتمبر / أيلول 2019م، وفيما ظهرت مواقف تتبني تسوية سياسية عبر تفعيل المادة 241 من الدستور المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، كانت استجابة أ.إبراهيم منير نائب المرشد العام في 18 أغسطس/ آب 2019 م التي جاءت على قناة الجزيرة  وكأنها أحبطت محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية بالقول بأنه ممكن للأفراد التبرؤ من الجماعة وتخليص أنفسهم، كما أن الانضمام لها اختياري، وقد أثارت هذه الطريقة عاصفة من الانتقادات، كان أهمها متمثلاً في عدم إدراك الجماعة لطبيعة المسؤولية السياسية).

ونود أن نُذكر الكاتب بأن التبرؤ من الجماعة (رغم قسوته) أمام ما يلقاه المظلومين والمأسورين من تجاوزات في سجون الانقلاب رخصة أهون بكثير من الرخصة التي أعطاها رسول الله صلي الله عليه وسلم لمن كان يلاقي العذاب في رمال مكة الملتهبة ليعود عن دينه، ولله ولرسوله وللدين المثل الأعلى.

ولا نبالغ بالقول أن كل من يعرف جماعة الإخوان المسلمين أو يتابع تاريخها يعلم بل يوقن أنها ترفض تماماً الانقلابات العسكرية أو إعطائها الشرعية لتأخذ مسمى ثورة واعتبارها أن أي حديث عن تسويات أو مساومات حول هذا الأمر هو خيانة لكل المبادئ والثوابت ونكوصا عن كل التعهدات ونقض لكل العهود.

ثامنًا: أشار الدكتور خيري إلى عدم استجابة الإخوان للتظاهر في يناير 2020م التي دعا إليها (المعارض الجديد الفنان المقاول محمد علي) بعد تشكيكه في نيته، وهو اتهام للجماعة في الخارج لا يملك عليه أي دليل، ويتساءل بأسلوب استنكاري عن أسباب تغيير الموقف تجاه هذا التظاهر.

ومع احترامنا له، ورسالةً لمن يترصد بالجماعة ويحاول جمع ما يظنه أنه تراجع في مواقفنا بعد استشهاد الرئيس، نذكرهم جميعا بما بلي:

الجماعة هي صاحبة ومتخذة سياساتها التي تتحمل كامل تبعاتها، وبالنسبة لهذه الحادثة فمع تقديرنا لحماسة الأستاذ محمد علي فلم يكن بيننا وبينه أي اتفاق على ما نادى به ولم نتهمه أو نشكك في قدراته أو نياته.

إننا نؤكد أن استشهاد الرئيس محمد مرسي عليه رحمة الله قد أعطى الصف في الداخل والخارج دفعة جديدة، لنا ولكل الأحرار.

تاسعاً: يقول المقال أن المعارضة فشلت في طرح نماذج  للمجتمع والدولة والتنمية وروجت لاحتمالية سقوط الحكومة بسبب أزمة كورونا أو سد النهضة بأسباب الفشل التنظيمي وأسباب الكفاءة،

والكاتب يفترض في تقريره هذا أن هناك في مصر دولة بمكوناتها وأركانها المعروفة وليس مجرد سلطة انقلاب عسكري على رأسها من يقول "ما أُريكم إلا ما أرى".

ومع هذا نذكر الجميع بكيف تعاملت الجماعة مع جائحة الكورونا وتنحيتها ﻷي خصام سياسي عبر إطلاقها حملة "شعب واحد نقدر" والتي ما زالت مستمرة منذ أكثر من 4 شهور، تم من خلالها تقديم كل جهد تقني طبي واجتماعي واقتصادي وشرعي للشعب المصري لمساعدته في تجاوز تبعات هذه الجائحة وحثه على الالتزام بالتدابير التي تتخذها السلطات المصرية المعنية في هذا الشأن.

مع التأكيد على إصرار الجماعة وتصميمها على عدم التفريط في كل أمانات مصر وتاريخها ومستقبلها إن شاء الله.

لكي الله يا مصر ورحم الله شهدائك الأبرار.

وحفظ الله أبنائك الصابرين الثابتين على الحق.

وإلى نصر قريب بإذن الله.

 

 

 © 2020 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين