إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

15 - 6 - 2018م

1 شوال 1439 هـ

العدد 988

 

مقالات ودراسات

 

هذه المقالات والتحقيقات والدراسات مع التقدير والاحترام للأساتذة الكتاب
تعبر عن رأي ورؤية كاتبيها ومصادرها ولا تمثل وجهة نظر "رسالة الإخوان"

 

 

 

 

 

 

مسيرات العودة

وصناعة الأزمة للكيان الصهيوني

 

عبد الستار قاسم - كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

لا يملك الضعفاء قوة يواجهون بها الأقوياء، ولهذا يعملون تاريخيا على الالتفاف على القوة السافرة بقوة خفية، وبتكتيكات لا تتمكن معها القوة السافرة من إعادة ترتيب نفسها لمواجهة فعالة.

في صراع الفلسطينيين ضد القوة الصهيونية الغاشمة؛ لا بد من التحايل على الخلل في التوازن العسكري ليحصل توازن الرعب، أو لصناعة ردع لا يستند ضرورةً إلى القوة المسلحة.

وعلى رأس أساليب التحايل تأتي ضرورة صناعة أزمة للكيان الصهيوني، بطريقة تستقطب وسائل الإعلام العالمية واهتمام الدول واهتمام المنظمات الدولية، وذلك لحشر الكيان في زاوية قد لا يتمكن من الخروج منها.

 

صمود مسيرات العودة:

انطلقت مسيرات العودة في غزة واستمرت بزخم كبير، ومن المتوقع أن تستمر؛ لأن استمرارها ضروري إذا أراد الفلسطينيون تحقيق نتائج.

صمود الناس واستعدادهم لتقديم التضحيات سيؤدي إلى تحقيق نتائج إيجابية، لكن النجاح يتطلب الأمور الإضافية التالية:

من المفروض توسيع نطاق الحراك الفلسطيني بشأن حق العودة وألا يقتصر النشاط على قطاع غزة. لكن المشكلة أن البيئة السياسية مواتية لتوسيع النطاق في منطقتين: قطاع غزة ولبنان.

النقطة الثانية المطلوبة هي وحدة الشعب الفلسطيني التي لم تتبلور بعدُ؛ الشارع الفلسطيني في غزة موحد، والفصائل الفلسطينية موحدة إلى حد ما، ونأمل أن تكون وحدتها إستراتيجية وليست ظرفية.

تحتاج المسيرات إلى مرجعية سياسية تحملها هي وأهدافَها إلى العالم بوسائل إعلامه ومنظماته ودوله. لا توجد مرجعية سياسية فلسطينية معترف بها دوليا غير السلطة الفلسطينية في رام الله، وهي غير شرعية ولا تمثل الشعب الفلسطيني.

سلطة رام الله لا يبدو أنها مهتمة بالأمر أو جادة إلا من قبيل إسقاط الأعذار، وهي سلطة تعتبر إنجاز غزة إنجازا لحركة حماس، ووفق فكر المناكفات والتنافس الإسقاطي ينصبّ الاهتمام على الفشل وليس على النجاح.

نتذكر جيدا الحراك الفلسطيني عندما حاول الصهاينة السيطرة على بوابات المسجد الأقصى؛ فقد احتشد الفلسطينيون المقدسيون وأصروا على إلغاء الإجراء، وكان في استمرارهم ما صنع أزمة للصهاينة.

 

صناعة الأزمة واستثمارها:

على ذات الشاكلة؛ لا بد من صناعة أزمة للصهاينة في غزة عبر مسيرات العودة التي لم ترفع السلاح. لكن يبدو هذه المرة أن الصهاينة قد صنعوا لأنفسهم أزمة واستبقوا ما يمكن أن يقوم به الفلسطينيون، وذلك عندما ارتكبوا مجزرة غزة ضد المسيرات.

لقد قتلوا عشرات الفلسطينيين وجرحوا الآلاف والعالم يشهد عبر وسائل الإعلام حجم الوحشية والإجرام، وبذلك أوقع الصهاينة أنفسهم في أزمة مع وسائل الإعلام والعديد من الدول خاصة الأوروبية، ومع جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية.

أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن يأخذ الفلسطينيون في غزة استراحة محارب؛ فإن فعلوا أضاعوا الحصاد. لكنني على قناعة بأن الغزيين قد تعلموا الدرس، وهم يعلمون أن الفلسطينيين قد دفعوا تضحيات جساما بالتقسيط، ولو كانوا دفعوها دفعة واحد لحققوا على الأقل جزءا مما يصبون إليه.

المسيرات ستستمر لكن من المتوقع أن تكون طريقة الأداء والتنفيذ مختلفة عما كانت عليه، وذلك للتخفيف من الخسائر. الخسائر في الجانب الفلسطيني واقعة ولا مفر منها، ومطلوب من لجان التنسيق أن تفكر جيدا في تكتيكات أدائية جديدة لا تريح الصهاينة وإنما تخفف خسائر الفلسطينيين، خاصة أن غزة تعيش أوضاعا صعبة وقاسية جدا، وما تتحمله حتى الآن بالنيابة عن الفلسطينيين أكثر بكثير من طاقتها.

إذا استطاعت غزة أن تعيد الحياة إلى قضية حق العودة على المستويات الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية؛ فإنها تكون قد نجحت. لقد حققت حتى الآن نجاحا لكنه لم يختمر بعدُ.

أعادت حركة الجماهير الفلسطينية الوعيَ الفلسطيني بقضية العودة إلى سابق عهده، وذكّرت العالم بمن فيهم العرب بأن هناك ملايين اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون عودتهم إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض التي اغتصبها الصهاينة عام 1948.

لكن النفس الطويل سيؤدي إلى اختمار هذا الوعي واهتمام المنظمات الدولية ومختلف الدول بهذا الشأن. وستكون الجماهير قد نجحت أكثر إن هي أسقطت مقولة حل الدولتين، وأبدلته بحق العودة. فلا دولة بدون الناس، والدولة يأتي وقتها عندما يعود الناس.

دول كثيرة تدافع عن حقوق اللاجئ في العودة إلى بيته وممتلكاته، ويبدو أن الفلسطيني ليس ضمن تصنيف اللاجئين رغم قرارات دولية بشأن عودته. إن حق العودة قضية ناجحة ويصعب على دول العالم الجدل فيه، ومن الضروري التمسك به كخطوة كبيرة نحو تحقيق حق تقرير المصير.

 

 

 

 © 2018 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين