إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

19 - 4 - 2019م

 13 شعبان 1440 هـ

العدد 1027

 

مقالات ودراسات

 

هذه المقالات والتحقيقات والدراسات مع التقدير والاحترام للأساتذة الكتاب
تعبر عن رأي ورؤية كاتبيها ومصادرها ولا تمثل وجهة نظر "رسالة الإخوان"

 

 

 

 

 

 

فقه إدارة الأزمات

ومواجهة المحن

 

هناك ... كان الإخوان المسلمون خلف جدار الصمت الأسود وكأنما الدنيا قد نسيتهم، لكنهم كانوا على يقين أن خالق الكون لم ينسهم، فمن كان مع الله كان الله معه، فلن يغلب أبدا ولن يهزم أبدا، ومن أجل إيمانهم بالله وثقتهم في رحمته وعدله كان الصبر الجميل حليفهم، واليقين من نصر الله يملأ قلوبهم وكان دعاؤهم: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 89).

يقول الحق سبحانه وتعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون، من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العاملين) (سورة العنكبوت: 2-6).

إن الإيمان الحق أمانة الله في الأرض لا يحمله إلا من هم أهل له، وفي قلوبهم له تجرد وإخلاص، الذين يؤثرون هذا الحق على الراحة والأمن والسلامة، ويرتفعون فوق الإغراء ومتاع الدنيا الفاني، والإيمان أمانة ثقيلة، يتعرض صاحبها للأذى من الباطل وأهله، وإذا طال الأمد وتأخر نصر الله – لحكمة - كانت الفتنة أشد، فلا بد من نماذج وقدرات ومنارات على الطريق، يسير وراءها ويقتدي بها الذين يصبرون ويجاهدون ويتحملون في سبيل الله.

ومن أهم وأخطر المشكلات التي تواجه العاملين للإسلام قضية "إدارة الأزمات".

فالعمل الإسلامي الجاد والملتزم بصورة المختلفة معرض للمحن، تدبر له المكائد وتحاك ضده المؤامرات خاصة في ظل غياب القوانين، وسيطرة الاستبداد، وتستمر المحن والشدائد، حتى ولو عمل في دائرة النظم والقوانين القائمة، وحتى لو حاول جادا أن يحصل على سند قانوني يعمل من خلاله.

ولذلك وجب على القائمين على العمل الإسلامي أن يأخذوا الأمر بجد، وأن يحرصوا على توريث فقه المحن أو فقه إدارة الأزمات، والمواجهة السليمة الدقيقة للمواقف المختلفة، وما هي الشروط لذلك، وكيف واجهها من سبقونا على الدرب، ونحسن نقل هذه الجوانب لتكون لإخواننا الأسوة والقدوة.

إن هذا الأمر ليعتبر من أهم وأخطر جوانب العمل الإسلامي، ونحن إذا لم نحسن التعامل مع هذه المشكلات، ونراعي الضوابط الشرعية قد تجر على العمل الإسلامي مضايقات، في هذه الظروف التي تمر بالعالم العربي والإسلامي كله.

ولما كان الإخوان المسلمون بتجاربهم لكبيرة، وما مر بم من حن وأهوال وعنت، قد أدركوا جيدا هذا الأمر، ومارسوه في حياتهم، وتعاملوا مع الأزمات من منظور إسلامي علمي دقيق، ومن منظور رؤية شرعية عميقة وقرار شوري حكيم، وتفتح للبصيرة، وتجرد في الأداء ... فإن الإمام حسن الهضيبي رحمه الله، يعد بحق أفضل من أدار الأزمات في العمل الإسلامي المعاصر بعد الإمام الشهيد حسن البنا، في إطار إسلامي دعوي، وفي إيمان وثبات، وتضحية تجاوزت كل التصورات في ميدان الدعوة.

يقول الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، عنه: إذا كان الإمام البنا رحمه الله، قد مضي إلى ربه وترك النبتة يانعة فتية، فقد كان حسن الهضيبي مشعل عصره، يوم حمل الراية، حريصا لم يفرط، عزيزا لم يلن، كريما لم يهن، وأدي الأمانة أمينا في عزم، قويا في حزم، ثابت الخطى في فهم، فأكد معالم الفهم السليم الصحيح في القول وفي العمل، لم تثنه حبال المشانق، ولم ترهبه سجون ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصرارا على إصرار، وصمود فوق الصمود "راجع مجلة الدعوة العدد الأول 2 رجب 1396 هـ".

واجه الرجل أزمات كثيرة في الداخل والخارج، كل أزمة تحير الحليم، وتهد الجبال، لكنه بإيمانه وصبره وعلمه أدارها كأفضل ما يكون بمهارة واقتدار، وحين ننظر إلى الأوضاع والظروف التي عاش فيها الرجل، والمحن التي عصفت وأحاطت بالجماعة، وقد بلغت من الشدة والضراوة، مما يعتبر واحدة منها كفيلة بأن تزلزل أركان أي تجمع أو تنظيم، بل تأتي عليه من القواعد، وتجعله أثرا بعد عين، لكن حين تكون القيادة مؤمنة بهذا الحق، والجماعة تؤمن بالله، وتتجرد له سبحانه وحده وتتمتع برؤية إسلامية صحيحة، حين يكون الأمر كذلك يتم الله نعمته ويسبغ فضله ويكتب النجاح لهؤلاء الأبرار، وقد كان.

لقد كان لفهم الإمام رحمه الله في إدارة الأزمات الفضل بعد توفيق الله سبحانه، أن يخرج الإخوان من غياهب السجون وأقبيتها وشدائدها وعنتها، وإجرام القائمين عليها، خرجوا كأفضل ما يكون، لقد صبروا وصابروا واحتسبوا، واتقوا الله، فأصبحت المحنة بحق منحة خالصة.

وهذه بعض الأسس التي سار عليها الإمام الهضيبي في إدارة الأزمات:

 

أولا: الاتكال والاعتماد على الله وحده:

فالدعوة دعوة الله، وما تحمل الإخوان ما تحملوه إلا لله، وفي سبيل الله، لذلك كان الاعتماد على الله سبحانه هو الأساس (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) (الطلاق: 3).

إن الاعتماد على الله سبحانه، عنصر أساسي في المواجهة بين الحق ولباطل (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (الأعراف: 128).

ولا يجوز لمسلم أن يدير مواجهة بين الحق والباطل، دون أن يطلب العون والغوث والمدد من الله سبحانه.

 

ثانيا: التركيز دائما على الثوابت التربوية:

يقول رحمه الله موجها كلامه للإخوان، محددا دورهم مبينا أهميتهم: "إن الله جعلكم جنودا لقضية الحق والفضيلة والعزة، في وطنكم وفي العالم الإسلامي كله، وإذا كان من واجب الجندي المخلص، أن يكون مستعدا دائما للقيام بواجبه، فكونوا مستعدين دائما، لما يؤدي بكم إلى النصر في الحياة، فطهروا قلوبكم، وحاربوا أهواءكم وشهواتكم، قبل أن تحاربوا أعداءكم، فإن من انهزم بينه وبين نفسه في ميدان الإصلاح، أعجز من أن ينتصر على غيره في معركة السلاح" (مجلة الدعوة 1497هـ).

إنه هنا يركز على قضية إصلاح النفس كخطوة أولية في المواجهة، فلا بد للنفس أن ترقي لمستوى يؤهلها لتحمل التبعات الجسام في مجال العمل عموما أو في مجال المواجهة أو المحنة التي ستحيط بها.

 

ثالثا: الثقة في نصر الله:

وفي دعوة الله أنها الحق الغالب، يقول رحمه الله: "ولم يعد من السهل على أي طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح وامتدادها، فلنكن على ثقة من نصر الله (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (الروم: 47).

فلنأخذ بالأسباب أولا ثم نترك الأمر كله لله، ونثق فيما عند الله، وإن النصر قادم لا محالة، إذا قدمنا له كل ما نستطيع من جهد وبذل وتضحية، وما كان نصر الله للإخوان، وإعانته لهم، على ما كانوا فيه من شدة، وخروجهم ثابتين على الحق غير مبدلين، إلا خير دليل على ذلك، وإن انتشار العمل الإسلامي الكبير هذه الأيام لأكبر دليل فمن كان يعتقد، أثناء المحن والقتل، والتعذيب والاعتقال وأحكام الإعدام، أنه ستقوم للإخوان قائمة، ولم يعتقد ذلك إلا الإخوان فقط وذلك لثقتهم الفائقة في نصر الله.

 

رابعا: وضوح الهدف:

فتحديد الهدف ووضوحه، مطلوبا عموما وخاصة عند الأزمات، ليعرف الإنسان على أي شيء سيثبت أو من أجل أي شيء سيضحي، فغياب الفهم الصحيح للهدف قد يسبب من المشكلات الكثير، يقول رحمه الله:

"إن دعوة الإخوان المسلمون لم تعد دعوة محلية، تنحصر في حدود وطن صغير، وإنما غدت عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره، وتوقظ في المسلمين روح العزة، والكرامة والتقوى، فهي اليوم عنوان انبعاث لا نوم بعده، وتحرر لا عبودية معه، وعلم لا جهل وراءه، وما ذاك إلا لأنها تعبير صادق عن شعور عميق، ملأ نفوس المسلمين جميعا، ويستولي على مشاعرهم وعقولهم، وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام، فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية اجتماعية وإنسانية" المرجع السابق (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (يوسف: 21).

ولقد استطاع الإمام الهضيبي رحمه الله أن يدير الأزمات الطاحنة في كل مكان عاش فيه الإخوان وعلى طريق الدعوة ترك علامات بارزة أقوى من الأحداث وأكبر من الطغاة.

ومن وراء الأسوار كانت هناك عيون مؤمنة، تطل رغم آلامها علي أوضاع هذه الأمة، بكل شفقة وحب وبكل القلق وهي ترى ولا تستطيع حيلة العبث بمصيرها ومستقبلها، هناك كان الإخوان المسلمون خلف جدار الصمت الأسود وكأنما الدنيا قد نسيتهم، لكنهم كانوا على يقين أن خالق الكون لم ينسهم، فمن كان مع الله كان الله معه، فلن يغلب أبدا ولن يهزم أبدا، ومن أجل إيمانهم بالله وثقتهم في رحمته وعدله كان الصبر الجميل حليفهم، واليقين من نصر الله يملأ قلوبهم وكان دعاؤهم (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 89).

وبعد أن عرضنا لهذه المواقف من تاريخنا القريب في مواجهة الأزمات واستثمارها لصالح الدعوة، نؤكد أنه لا بد من السير على نهج هؤلاء الأعلام الذي عرضنا جوانب عابرة منه، والذين ساروا على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في استقبال الأحداث واستثمارها لصالح هذا الحق ولخدمة هذه الدعوة مثل:

تزكية الإيمان في القلوب والحرص على حسن الصلة بالله، فهذا أصل الطريق، الحفاظ على صلاة الجماعة في المسجد، قيام الليل، الصيام، الذكر، التسبيح، الاستغفار ... إن كل سلاح في أيدي المؤمنين عملة زائفة يجب أن تصحح بالإيمان بالله، وشجاعة المؤمنين وثباتهم.

استشعار المسئولية عن الدعوة: كل فرد في الصف يتصرف على أنه يمثل الجماعة في كل أحواله وأنه مسئول مسئولية كاملة عن الدعوة.

تعميق معنى الذاتية عند الأفراد: في الالتزام بكل جوانب الدعوة والتحرك بها.

العمل على إعداد الأخوة للجهاد في سبيل الله، وبث روح الجهاد في سبيل الله: فالعدو يزحف والبطش يزداد، فلا بد أن يواجه بالاستعداد للقائه، والجهاد مراتب ودرجات، تبدأ من إصلاح النفس إلى القتال في سبيل الله، وهناك الجهاد بتبليغ الدعوة، والجهاد السياسي، والجهاد الاقتصادي، والمقاطعة لأعداء الله، ألوان كثيرة يجب أن نحرص عليها.

وهناك الثقة الغالية في وعد الله، للمؤمنين الثابتين بالنصر، وبث روح الأمل في أن العاقبة للمؤمنين العاملين (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (الأنبياء:18)، (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (الأنبياء: 105).

إيقاظ الهمم والعزائم، والتذكير بالآخرة والإكثار من الحديث عن شهداء الإسلام، وكيف كان نشيدهم  ركضا إلى الله بغير زاد.

وكل زاد عرضة النفاد                 إلا التقى وعمل الميعاد

والله الموفق والمعين ... والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين