إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين
 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

7 - 5 - 2021م

25 رمضان 1442 هـ

العدد 1122

 

مقالات ودراسات

 

هذه المقالات والدراسات مع التقدير والاحترام للأساتذة الكتاب
تعبر عن رأي ورؤية كاتبيها ومصادرها ولا تمثل وجهة نظر "رسالة الإخوان"

 

 

 

 

اليمين المتطرف في أوروبا

لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى

 

سمير فالح

رئيس مجلس مسلمي أوروبا

 

منذ ما يزيد على العام والعالم يعيش تحدي جائحة كورونا، وقد تركزت أولويات الدول والمجتمعات على التصدي لهذه الجائحة، فسخّرت كل إمكانياتها وطاقاتها للحدّ منها ومعالجة آثارها على مختلف المستويات. في ظل هذا كلّه وجدت بعض الحكومات الأوروبية الوقت والإمكانيات لطرح ومعالجة ملفات أخرى تتعلق أساسا بالوجود المسلم ومحاربة ما يسمّى بالإسلاموية أو التطرف الإسلامي. وهذا يعني أن هذه الملفات لا تقلّ أهمية وأولوية عن الجائحة أو أن بوصلة أصحاب القرار في هذه البلدان قد أصابها خلل فاختلطت عندها الأولويات وضاع من ورائها واجب الوقت.

بعض الأحداث والتطورات تقف شاهدة على هذا الانحراف في الرؤية، منها:

 

قوانين محاربة الانعزالية في فرنسا:

منذ بداية تشرين الأول (أكتوبر) 2020، تاريخ الخطاب الشهير للرئيس الفرنسي ماكرون الذي أعلن فيه عن مسار اتخاذ إجراءات وسنّ قوانين ضد "الانعزالية"، والآلة التشريعية والسياسية الفرنسية تعمل على هذا الملف. تأخرت قليلا في أجندتها في بداية الجائحة، ولكنها تداركت ذلك ووصلت اليوم إلى اعتماد مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية) لحزمة القوانين التي أقرها البرلمان (الغرفة الأولى) وزادت عليها تعديلات وفصولا جديدة تجعلها أكثر تشدّدا وتضييقا على ما يعتبرونه مظاهر لـ"الانعزالية" أو "مخالفة مبادئ الجمهورية".

ويبدو من دون أدنى شك أن المسلمين في ممارستهم الدينية هم المستهدفون من وراء هذه القوانين رغم ما يكرره الخطاب السياسي بأن المعنيين هم "الإسلاميون" وليس "المسلمين". فلباس الحجاب ليس خاصية لـ"الإسلاميين" (رغم ضبابية هذا المصطلح)، وإنما هو لباس أقرّه الدين والشرع الإسلامي لأتباعه المسلمين. يكفي أن نتابع الجدل في البرلمان وفي مجلس الشيوخ وفي وسائل الإعلام حتى نقف على هذه الحقيقة المأسوية ويا للأسف.

ولأن مجلس الشيوخ اعتمد قوانين وتعديلات ليست في النص الأصلي الذي اعتمده البرلمان، فإن التراتيب تقتضي أن يتمّ التنسيق بين الغرفتين للوصول إلى صيغة موحّدة، ممّا يعني مزيدا من الجهد والجدل. من ضمن ما اعتمده مجلس الشيوخ منع ارتداء الرموز الدينية (وهل هي إلا المحجبات؟) للأولياء المرافقين للتلاميذ في الرحلات المدرسية؛ منع ارتداء الرموز الدينية للرياضيين في المسابقات الدولية ضمن الفريق الفرنسي (وهل هي إلا المحجبات؟)؛ منع ارتداء الحجاب للقُصّر (أقل من ثمانية عشر سنة) في الفضاء العام.

 

مزايدات وتناقضات

البرلمان الفرنسي الأغلبية فيه للائتلاف الحاكم، أي حزب الرئيس ماكرون، ومجلس الشيوخ الأغلبية فيه ليمين الوسط أو اليمين المحافظ. أما هذه القوانين والإجراءات فهي من صميم برنامج وتوجهات وفكر اليمين المتطرف. إننا إزاء مشهد سريالي يزايد فيه طرف على آخر، ومادة المزايدة هي الوجود المسلم وحرية التديّن، وموضوع المزايدة لصالح طرف ثالث ألا وهو اليمين المتطرف. ومن غريب الأمور أنه تمّ إقرار قانون يحدّد سنّ خمسة عشر سنة للفتيات كحدّ أدنى يمكن اعتبار العلاقات الجنسية على أساس الرضى والقبول؛ ذات الخمسة عشر سنة يعتبرها القانون مؤهلة للقرار في علاقاتها الجنسية ولا يعتبرها مؤهلة لاتخاذ خيارات دينية (لبس الحجاب).

في فرنسا أيضا، قالت مارلين شيابا وزيرة الدولة لشؤون المواطنين ـ في تصريحات متلفزة ـ إنه "يتعين على أئمة المساجد بفرنسا الاعتراف في خطبهم بحق الأشخاص من نفس الجنس في الزواج"، وهي تعتبر أن ذلك من صميم ما يدعو إليه "ميثاق المبادئ" الذي وقعت عليه مؤسسات إسلامية في فرنسا.  وقد استنكر عميد مسجد باريس، أحد المؤسسات التي ساهمت بشكل كبير في الميثاق، هذه التصريحات واعتبرها تمثل انتهاكا للقانون وتحتقر الحقائق الدينية. كما تسببت هذه التصريحات في ردود فعل مماثلة في فرنسا وخارجها.

لازلنا في فرنسا، حيث اقترحت بلدية شتراسبورغ، مقر البرلمان الأوروبي وعاصمة منطقة الالزاس، دعم بناء مسجد لجمعية ملي غروش بـ 2،5 مليون يورو (وهي عُشر تكلفته)، وذلك بناء على قانون خاص بمنطقة الالزاس يسمح للبلدية بدعم دور العبادة. وقد أحدث هذا الاقتراح جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية مرجعه أن هذه الجمعية تنضوي تحت مؤسسة رفضت التوقيع على "ميثاق المبادئ" وأنها تابعة لتركيا وأنها متهمة بـ"الاسلاموية". وقد وصل هذا الجدل ببعض السياسيين الى اقتراح سنّ قانون يحدّ من صلاحية البلدية في إقرار مثل هذا الدعم لدور العبادة.

وفي بريطانيا عرض مدرّس صورا كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام أثناء حصة للتربية الدينية، ما أثار غضب أولياء أمور التلاميذ الذين طالبوا بإقالته. وقد اعتذر مدير المدرسة في رسالة بعثها عبر البريد الإلكتروني إلى أولياء الأمور بشأن "مصادر غير لائقة" استخدمت في الحصة الدرسية، وأفاد أن الرسوم الكاريكاتورية أزيلت من المصادر المستخدمة، مبينا أنهم سيدققون في منهج درس التربية الدينية لتجنب أي محتوى آخر غير لائق. وقد أعقب هذا الحدث ردود فعل متفاوتة كان من بينها مطالبة وزير المجتمعات المحلية البريطانية بأن يكون المدرسون أحرارًا في "عرض صور توضيحية بشكل مناسب". كما كانت هناك لهجة التصعيدية من قبل مسؤولين آخرين تجاه احتجاج أولياء الأمور المسلمين والتهوين من شأن الإساءة.

أما في سويسرا فقد انتهى استفتاء شعبي مُلزم إلى حظر النقاب وكل أشكال غطاء الوجه وذلك بأغلبية 51،2 بالمائة. وقد تمّ هذا الاستفتاء بناء على مبادرة من اليمين المتطرف، رغم أن رؤية مسلمات منقبات يُعدّ أمرا نادرا في سويسرا، بل إن بعض الاحصائيات تقدّر عددهم بثلاثين منقبة في كامل التراب السويسري فقط. وبذلك، تنضم سويسرا إلى دول مثل فرنسا والنمسا وبلغاريا وبلجيكا والدنمارك التي سنّت قوانين مشابهة بعد سنوات من الجدل.

والجهة التي تقف وراء هذه المبادرة هي نفسها التي اقترحت نصّا جرى استفتاء بشأنه في العام 2009 ويقضي بحظر إقامة مآذن جديدة في البلاد. جدير بالذكر أن هذه المبادرة لاقت معارضة من أحزاب سياسية من اليسار إلى الوسط، بالإضافة إلى الحكومة السويسرية وأغلبية الائتلاف الحاكم في البرلمان الفدرالي؛ كما كانت منظمات حقوقية وكنسيّة وقطاع السياحة ونقابات عمالية دعت الناخبين السويسريين إلى رفض هذه المبادرة والتصويت ضدّها.

وفي النمسا قامت الأجهزة الأمنية في التاسع من شهر نوفمبر 2020 بحملة غير مسبوقة، شارك فيها أكثر من تسعمائة عون أمن من مختلف التشكيلات وتمّت فيها مداهمة عشرات المنازل والجمعيات والشركات، ولم تتورع هذه الأجهزة من ترويع العائلات والأطفال خلال هذه المداهمات. وقد وتمّ التحضير لهذه الحملة لمدة سنة كاملة نتجت عنها آلاف الصفحات من البحث والتحقيق. حملت هذه الحملة اسم "عملية الأقصر" (Operation Luxor)، وحسب وزير الداخلية في الحكومة النمساوية فإن هذه الحملة التي تستهدف أشخاص ومؤسسات تابعة أو قريبة من "الاخوان المسلمين" و"حركة حماس" جاءت على خلفية أن "الاخوان المسلمين" يخططون لأسلمة النمسا والانقلاب على الديمقراطية وتطبيق الشريعة الإسلامية. وقد كشف موقع zackzack.at أن الخلفية الحقيقية هي في الأصل لدعم دولة مصر ودولة إسرائيل في حربهم ضد الإخوان وحماس.

وأيا كانت الخلفيات فإن الضحية الأولى هم مسلمو النمسا الذين تضرروا كثيرا بفعل هذه الحملة والتي هي تواصل واستمرار في مسار قضم حقوق الأقلية المسلمة في النمسا منذ سنوات. إن التشويه الإعلامي والتخويف الأمني قد حصل وترسّخ في عقول الكثيرين بفعل هذه الحملة وذلك رغم أن مسار التحقيقات والأحداث يبين كل يوم أن التهم التي قادت إلى هذه الحملة هي تُهم لا أساس لها وأن أجندات اليمين المتطرف في هذا الملف التقت مع اجندات خارجية وعملت على خدمتها.

 

قراءة في هذه الشواهد وتداعياتها:

إننا أمام حالة ملفتة في تسارع الأحداث في الفترات الأخيرة في اتجاه مزيد من التضييق على المسلمين في أوروبا في حرية ممارسة دينهم وجعلهم مادة أولى للجدل السياسي والإعلامي، وهذه الحالة يمكن قراءتها من خلال أبعاد مختلفة:

رغم أن الأولى والأسلم أن تكون أولوية الحكومات في ظل جائحة كورونا التي تستمر الآن لأكثر من عام، هي التصدي لهذه الجائحة ومعالجة آثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية... إلا أن بعض الأحزاب والقوى السياسية، مسكونة بملف الوجود المسلم في المجتمعات الأوروبية باعتباره مادة دعايتها ووعودها الانتخابية، وهي تخشى أن لا تحققها فينفضّ رصيدها الانتخابي من حولها. إن الحسابات الانتخابية حاضرة أكثر من وقع أزمة كورونا لدى هذه الأحزاب والقوى السياسية وهي بالنسبة لها مسألة حياة أو موت سياسية.

الحديث عن اليمين المتطرف أصبح اليوم يتجاوز الأحزاب التي تمثلة إلى تيار أوسع يحمل نفس شعاراته وبرامجه، ظنّا منه أنها هي الرافعة الأساسية لتحقيق مكاسب انتخابية. كان هناك مقابلة حوارية على القناة الثانية الفرنسية بين وزير الداخلية دارمنان من حزب الجمهورية إلى الأمام، الحزب الحاكم، وزعيمة حزم اليمين المتطرف مارين لوبان، وقامت القناة بعد المقابلة بإجراء استفتاء لمشاهديها أظهر نتيجة أن وزير الداخلية يحمل بأكثر جدارة أفكار اليمين المتطرف؛ كما علقت كثير من الصحف على أن الحوار أظهر تماهيا كبيرا في الآراء.

هذا الاتجاه في تسابق الأحزاب والتيارات السياسية إلى تبني أفكار وبرامج حركات اليمين المتطرف يعكس أزمة كبيرة في المجتمعات الأوروبية تنحرف بها عن كثير من المبادئ والقيم التي ترسخت عبر سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية من التأسيس للتعايش ورفض تقسيم المجتمعات والتعدّي على حقوق الأقليات.

نلاحظ أن الجدل القائم اليوم في علاقة بالوجود المسلم يركز على فرض مفاهيم دينية معينة بخصوص لبس الحجاب، أو الزواج المثلي مثلا ... ويتمّ ذلك بأدوات الدولة من قوانين وتشريعات في تجاوز واضح لما تُقره القوانين والحقوق من حرية دينية وحرية منتسبي الدين نفسه في تحديد مفاهيمهم الدينية. وهذا يحيلنا إلى أمرين: الأول تاريخي وهو صراع الكنيسة مع السلطة، والذي انتهى إلى نجاح السلطة في تعويم كثير من المفاهيم الدينية الكنسية وتراجع في دور الكنيسة في المجتمع، والثاني يتعلق بالوجود المسلم في أوروبا حيث أنه وبعد أن انتهى الجدل حول السؤال هل الإسلام والمسلمون جزء من أوروبا إلى التسليم بإجابة "نعم"، يُطرح اليوم سؤال آخر تابع للسؤال الأول، ألا وهو: أيّ إسلام نريده في أوروبا؟ ويبدو أنه من الصعب على أصحاب القرار التسليم بأن مرجعية الإجابة عن هذا السؤال تكون خارجة عن فهمهم وتصوّرهم.

إننا إذن أمام تدافع مفاهيمي للإسلام وأحكامه وتشريعاته التي تخصّ الفرد في علاقته بخالقه وما يترتب عنها من ممارسة لشعائر دينية (أما كل ما هو قوانين وسياسات تتعلق بالدولة فهو منوط بنظام الدولة وآلية اتخاذ القرار فيها، وهو أمر لا خلاف فيه بين مسلمي أوروبا). طرفا هذا التدافع هما سلطة الدولة مسنودة من قوى سياسية تملك أدوات الدولة إلى جانب وسائل الإعلام والدعاية من ناحية ومكونات الوجود المسلم التي تفتقد لامكانيات متكافئة مع الأولى إلا من السند الذي تجده من بعض أحزاب اليسار ومؤسسات المجتمع المدني المؤمنة بحقوق الانسان وبالحريات الدينية من ناحية أخرى.

كثير من الحملات الأخيرة تستهدف بزعم أصحابها "الإسلاموية" (islamism) أو "الإسلام السياسي" أو غيرها من المسميات والعناوين التي من الصعب أن نجد اتفاقا حول تعريفها. زيادة على ذلك نجد بعد التمحيص أن ضحية هذه الحملات هم المسلمون في عمومهم وليس فئة "الإسلامويين" إن استطعنا تعريفهم وحصرهم. مسألة الحجاب مثلا: هل لبس الحجاب أمر ديني أم سلوك "إسلاموي" أم هو بدافع "الإسلام السياسي"؟ مثال آخر: حين يكون الحديث عن الرموز الدينية، أيّ رمز ظاهر للعيان يُقصد من وراء ذلك غير حجاب المرأة المسلمة؟

ونتيجة لهذا الخلط ـ المتعمّد في بعض الأحيان ـ نجد أنفسنا أمام حالة من تقسيم المجتمع والتضييق على أقلية فيه، ألا وهم المسلمون، إن لم يكن وصمهم وجعلهم عرضة للتنمّر. المفارقة هنا أن هذه الأقلية وهذا المكون المجتمعي وطّن نفسه منذ سنوات على خدمة مجتمعاته واعتبار أن المواطنة هي القاسم المشترك بينه وبين الآخرين وعلى سبيل الذكر لا الحصر يمكن النظر في أداء المسلمين، أفرادًا ومؤسسات خلال جائحة كورونا، وكيف كانوا عونا وسندا لمجتمعاتهم.

إننا أمام مقاربات مختلفة في التعامل مع الوجود الأوروبي المسلم؛ مقاربة قانونية تشريعية عادة ما تنحو منحى المنع والحظر، ومقاربة أمنية تنطلق من تصنيفات متعددة لهذا الوجود على خلفية الخطر الإرهابي، ومقاربة اجتماعية ثقافية تحاول فهم خصوصيات هذا الوجود والتعامل معه في إطار مجتمع متعدد الثقافات. والملاحظ أن المقاربة الأولى والثانية تشهدان صعودا ورواجا في الكثير من البلدان الأوروبية بدعم من اليمن المتطرف والتيارات الشعبوية، في حين أن المقاربة الثالثة تشهد تراجعا وانحسارا، بل إن أصحابها والمدافعين عنها، وهم عادة من اليسار والتيارات الاشتراكية، يتعرضون لحملات إعلامية وهجوم سياسي ممن يمثلون اليمين المتطرف أو يحملون أفكاره وشعاراته في هذا المجال.

 

ما هي آفاق المستقبل؟ وما العمل؟

لا شك أن المعادلة السياسية محدّد مهمّ في مستقبل الأيام، فباستمرار اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية وأطروحاتهم وأفكارهم سيتواصل استعمال ملف المسلمين في أوروبا حصان طروادة ومشجبا لكلّ الأزمات والتوترات في مقابل العجز عن حلّ الإشكاليات الحقيقية المرتبطة بالاقتصاد والبيئة والأوضاع الاجتماعية، خصوصا في ظل تداعيات أزمة كورونا. يبقى أن التجرية الأمريكية في استبعاد ترامب، رمز الشعبوية، تعطينا بصيصا من الأمل في أخلقة السياسة واستعادة الأبعاد الإنسانية فيها.

ولكن هل يمكن التأثير في هذه المعادلة عوض موقف الترقب والانتظار؟ هذا يرتهن لعدة عوامل، منها:

على المسلمين، أفرادا ومؤسسات، أن لا يألوا جهدا في الدفاع عن حقهم الأصيل في حرية ممارسة دينهم وأن يسلكوا في الطريق إلى ذلك كلّ السبل القانونية والمدنية والسياسية. إنه طريق شاقّ وصعب ولكن لابدّ من سلكه، فالدولة الأوروبية دولة قانون ومؤسسات، وقد شهدنا كثيرا من القضايا التي تحكم فيها المحاكم لصالح تثبيت حرية الممارسة الدينية. إضافة إلى أن العديد من المنظمات الحقوقية تساند حق حرية الممارسة الدينية.

على المسلمين، أفرادا ومؤسسات، أن يسعوا لكسب الصداقات وانشاء التحالفات على المستوى المدني والسياسي، لتقوية موقفهم وفكّ عزلتهم. والمجتمعات الأوروبية لازالت فيها قوى وشخصيات سياسية وحقوقية واكاديمية تؤمن بالتنوع وتدافع عن التعايش المجتمعي وتقف مع الحريات الدينية. أن يكون المسلمون جزءا من مجتمعاتهم يعني فيما يعني أن تكون لهم علاقات مفتوحة وتعاون مع الآخر فيما يحقق الصالح العام.

على المؤسسات الإسلامية أن تترك خلافاتها جانبا وتلتقي على برامج ومشاريع عمل بعيدة عن الارتهانات الأيديولوجية والاجندات الخارجية لتخدم المسلمين على وجه الخصوص ومجتمعاتها الأوروبية على وجه العموم. إن وجود مؤسسات إسلامية عديدة ومختلفة أصبح واقعا لا يمكن تجاوزه، أما أن تبقى هذه المؤسسات متباعدة ومتنافرة، بل قد تعمل ضد بعضها البعض، فإن هذا الوضع لم يعد محتملا، وخصوصا أمام التحديات الكبيرة التي يعيشها الوجود المسلم.

على المسلمين، أفرادا ومؤسسات، أن يلجوا العمل السياسي والمشاركة السياسية بمختلف مستوياتها، حتى يكونوا شركاء في القرار وليس مجرد موضوع للقرار.

 

كلمة في الختام

لئن كان الظاهر من خلال التطورات المتعلقة بالمسلمين في المجتمعات الأوروبية أنهم هم وحدهم من يتحمل أعباءها ويدفع ثمنها، فإن ما وراء هذا الظاهر أزمةٌ وتهديدٌ للمجتمعات الأوروبية بأكملها. فاليمين المتطرف والتيارات الشعبوية لهم سوابق في تاريخهم في تقسيم المجتمعات وبثّ العداوات وإشعال الفتن. إنهم كالمنبتّ لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع.

 

 

 © 2021 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين