إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

15 - 6 - 2018م

1 شوال 1439 هـ

العدد 988

 

مقال الأسبوع

 

 

بيان في مناسبة غزوة بدر

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9).

 

الإمام حسن الهضيبي

 

لما خرج الرسول عليه السلام إلى لقاء أعدائه في وقعة بدر لم يخل هذا الخروج من متاعب فقد جادله في الحق قوم وكرهوا أن يخرجوا معه وفي ذلك يقول الله تعالى (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) (سورة الأنفال: الآية 5، 6)، فهو قد أخرجه الله من بيته بالحق ووجد قومًا يجادلونه بعدما تبين لهم الحق جدالا عنيفًا يريدون أن ألا يخرجوا، فلم يتأثر رسول الله عليه الصلاة والسلام بذلك ولم يستمع إلى قول المثبطين الذين لا يريدون قتالا في سبيل نصرة عقائدهم.

ثم إنه ذهب يريد شيئًا وأراد الله شيئًا آخر، أراد الرسول وأصحابه أن يلحقوا بعير أبي سفيان تعويضًا لهم عما أخذت قريش من أموالهم حين الهجرة ولكن أبا سفيان انحاز إلى الشاطئ وأتت قريش بخيلها ورجلها تريد أن تحارب الرسول وتقضي على دعوته، وهنا يقع في قلوب بعض الناس أن الغاية التي جاءوا من أجلها قد انتهت وأن أبا سفيان قد فاتهم بما معه من عروض التجارة التي كانوا يطمعون في غنمها وأنه لا ضرورة لقتال قريش ولكن الله تعالى قدّر لهم أن الخير كل الخير في قتال قريش لأنهم الفئة ذات الشوكة التي إن انهزمت فقد انهزم الشرك كله وأخذت الدعوة سبيلها إلى الذيوع والانتشار وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُّحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) (سورة الأنفال الآية 7).

التقى الجمعان وكان المسلمون قلة آمنت بحق، وكان المشركون كثرة تجمعت على باطل، لذلك وجد الابن يقاتل أباه والأخ يقاتل أخاه ووجدت صلة الأخوة في الله بين المسلمين أقوى من صلة الدم، أقوى من القرابة القريبة (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) (سورة التوبة الآية 24).

انتصر المسلمون، انتصر الحق على الباطل، فلنتأمل في عوامل هذا العصر لعلنا نفيد منها شيئًا.

 

فأول هذه العوامل: الإيمان:

الإيمان الذي لا يخالجه شك، إن قلوب المؤمنين كانت عامرة بالإيمان، كلهم آمن بأن الموت حق وأن الحروب لا تقصر الآجال، وأن القعود في البيوت لا يطيلها (قُل لَّوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) (سورة آل عمران الآية 154)، "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها وعملها" والذين يمنون على أمتهم بأن ضحوا بأرواحهم لم يقدموا في حقيقة الواقع شيئًا، وإنما يجب عليهم أن يشكروا الله أن وفقهم لهذه التضحية فلنؤمن بالله وبحقنا ولنؤد ما يفرضه علينا الحق تعالى غير خائفين من الموت ولا مما يخيف الناس عادة "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه أبدًا، وما أخطأه لم يكن ليصيبه أبدًا طويت الصحف وجفت الأقلام".

ومن عوامل النصر أنه يجب علينا حين نعتقد أمرًا لا نلتفت إلى تثبيط المثبطين ولا تخذيل المخذلين بل نمضي فيما اعتزمنا بعد تدبر وتفكر تذود عن أفكارنا ما عسى أن يكون علق بها من دواعي القعود، وإن للمثبطين والمخذلين طرقًا غاية في البراعة يلبسون فيها الحق بالباطل حتى يشتبه الأمر على الناس، فليحذر الإخوان أن يستمعوا إلى شيء من ذلك أو أن يسرعوا إلى تصديق الأخبار التي تذاع فإن أغلبها مما يرجف به المغرضون.

ومن دواعي النصر تفويض الأمر لله تعالى والرضى بما اختار والاعتقاد بأن الخير كله في ذلك، فالخير الذي نجم عن فوات أبي سفيان للرسول وكان قد خرج للقائه، ثم لقاء قريش وحربها والانتصار عليها وهي الفئة ذات الشوكة لم يكن هنيًا في تاريخ الإسلام بل كان شيئًا خطيرًا فقد انتصرت فئة قليلة على فئة كانت ثلاثة أضعافها فأدى ذلك إلى علو مكانة الإسلام وهيبته في نفوس العرب وإلقاء الرعب في نفوس المعاندين، وهذا وذلك من عوامل قوة الدعوة وإضعاف خصومها.

إن الله تعالى قد أمرنا بأن نتخذ العدة فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ) (سورة الأنفال الآية 60)، وهذه هي سنة الله الكونية في الأمم والشعوب، وإعداد القوة لا يقتصر على القوة المادية ولعل قوة النفس بالإيمان وتحصينها بالتقوى والبعد عن المعاصي تقع في المرتبة الأولى من وسائل الإعداد، ولكن لا ينبغي لنا أن نعتقد أن العدة وحدها كفيلة بالنصر فالله تعالى قد اختص نفسه بذلك ونهانا عن أن نظن في العدة وحدها طريق النصر وقد ذكر ذلك في آيات كثيرة من القرآن (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (سورة آل عمران الآية 123)، (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (سورة التوبة الآية 25، 26).

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) (سورة الأنفال الآية 17)، لذلك كان رسول الله عليه الصلاة والسلام في يوم بدر يدعو الله في عريشه أن ينصر المسلمين ويبالغ في دعائه مع أن الله وعده النصر ولعله فعل ذلك مخافة أن يختلج قلب مسلم بالظن بأن العدة كافية أو أن يختلج قلب مسلم بمعصية فيحبط عملهم فعلينا أيها الإخوان أن نزود أنفسنا بالقوة: قوة الإيمان وقوة التقوى وقوة الأخلاق وقوة الاستقامة وأخيرًا القوة المادية بجميع أنواعها.

 

أيها الإخوان:

إن مما تمتاز به دعوتكم أنها تذكر الناس بقرآنهم وسنة رسولهم، هذا القرآن الذي طالما قرأه الناس على الأموات وما أنزله الله إلا ليقرأه الأحياء فيكون لهم به حياة، وصدق الله العظيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (سورة الأنفال الآية 24)، ومن ثم يقرؤه الإخوان المسلمون معاني لا ألفاظًا، يقرءونه وطنية وأخلاقًا واجتماعًا وما أشد حاجة الناس إلى هداية القرآن في هذه النواحي، لو كان أعداؤنا يعرفون أن القرآن يقرؤه المسلمون اليوم كما كان يقرؤه المسلمون في الصدر الأول ويتأثرون به كما كانوا يتأثرون وأن قراءته تهز شعرة واحدة في أبدان المسلمين لما أذاعته على المسلمين إذاعتا لندن وباريس وإسرائيل، ولكنهم يذيعونه على أن المسلمين يطربون له كأنغام توقع للتسلية وتقضى بها أيام المآتم والأفراح ثم لا شيء وراء ذلك.

 

أيها الإخوان:

إن دعوة الإخوان المسلمين لم تعد دعوة محلية في حدود وطن صغير، وإنما غدت دعوة عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره وتوقظ في المسلمين روح العزة والكرامة والتقوى، فهي اليوم عنوان انبعاث لا نوم بعده وتحرر لا عبودية معه وعلم لا جهل وراءه، ولم يعد من السهل على أية طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح أو امتدادها، وما ذلك إلا لأنها تعبير صادق عن شعور عميق يملأ نفوس المسلمين جميعًا ويستولي على مشاعرهم وعقولهم وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية.

هو ضرورة وطنية لأن الوطن في حاجة إلى قلوب أبنائه وسواعدهم وتضحياتهم، وليس كالدين عامل قوي يبعث في نفوس المثقفين وعامة الشعب على السواء حب الوطن والتضحية في سبيله والذود عن كيانه والتاريخ الإسلامي القديم وعظمته ليست إلا أثرًا بينا لما أوجده الدين في نفوس المسلمين الأوائل من هذه الحياة المليئة بأروع معاني التضحية والإيثار، وفي عصرنا الحاضر استطاعت الدعوة الإسلامية أن تحبي هذه المعاني بما رآه الناس من ضروب التضحية والفداء في حرب فلسطين ومعركة القنال الأولى على أيدي الإخوان المسلمين.

ولو أن جميع من اشتركوا في حرب فلسطين كانت تملأ نفوسهم تلك الروح التي بثها الدين في نفوس الإخوان المسلمين لتغير مصير المعركة من هزيمة إلى نصر، إن الجيوش لا تنتصر بقوة السلاح فحسب ولكنها تنتصر بقوة الروح المعنوية قبل كل شيء، وقادة الجيوش في العصر الحديث يحرصون على الروح المعنوية في جيوشهم بوسائلهم الخاصة، ونحن المسلمين لا نجد أذكى لهذه الروح من الدين حين يفهم على وجهه الصحيح.

والدين ضرورة اجتماعية؛ فكل الغيورين على مصالح الشعب وكرامته يشعرون معنا بأن مجتمعنا مليء بالنقائص والمفاسد وأن الواجب يحتم علينا المبادرة إلى معالجة هذه النقائص والمفاسد من أقرب طريق وأحكمه، ولا يشك كل من درس الإسلام بروح منصفة وعرفه على حقيقته من مصادره الصافية في أنه خير وسيلة لإصلاح العيوب التي نشعر بها في وطننا وأسرع طريق للوصول إلى الإصلاح الذي ننشده، ذلك لأنه يكفل لكل مواطن حقه في العلم والعقيدة والعبادة والحياة الكريمة التي من ضرورتها في الإسلام المسكن الصالح والغذاء الصالح والملبس الصالح والعلاج الكافي، كما أن من ضرورتها توفير الكرامة لكل إنسان حتى لا يهان بشتم أو تحقيق أو عقوبة بغير حق،  والإسلام يسخر قوى الدولة كلها لتحقيق هذه الضرورات للمواطنين جميعًا ولا يترك أمرها لضمائر الناس حين تغفل القيام بواجبها، ولعل مما يجهله كثير من الناس أن من مقاصد الجهاد في الإسلام رفع الظلم بمختلف أنواعه عن الضعفاء والمظلومين في الأرض (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًا) (سورة النساء الآية 75).

إن هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام لإصلاح المجتمع هي جزء من نظامه العام وعقيدته الشاملة وهو بذلك يلامس عقائد الناس وضمائرهم فالاستجابة إلى هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام هي في نظر المسلم فرض يجب تحقيقه كالصلاة والصيام فلماذا نترك هذا السلاح الفعال السريع في إصلاح أحوالنا؟.

أما الخوف من أن تؤدي الاستفادة من الإسلام في إصلاحنا الاجتماعي إلى الإساءة لإخواننا المواطنين من غير المسلمين فهو خوف لا محل له لأن ما يستفيده المجتمع من إصلاح الإسلام يشمل الناس جميعًا وخير لغير المسلمين أن يعيشوا في مجتمع تكفل فيه أسباب السعادة والعيش الكريم وتحكمه مبادئ الأخلاق الفاضلة التي نادت بها الشرائع جميعها من أن يعيشوا في مجتمع مفكك كمجتمعنا الحاضر يفيض بالمآسي والمظالم.

ومن الضرورات الاجتماعية التي تحتم الاستفادة من الإسلام في وضعنا القائم أنه خير علاج للقضاء على التعصب الديني الذميم والنعرات الطائفية البغيضة، فالإسلام قدر الحقيقة الواقعة وهي اختلاف الناس في أديانهم وقدر الحاجة إلى تعاونهم في الحياة مع اختلاف أديانهم فأمر المسلمين باحترام عقائد الآخرين وحرية عباداتهم بل أوجب علينا الإيمان بالأنبياء السابقين وكتبهم المنزلة (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (سورة البقرة الآية 136)، ومن أجل ذلك كان من المجمع عليه في الإسلام أنه لا يجوز شتم أهل الكتاب في دينهم وأنبيائهم وكتبهم ومن الظواهر البارزة في تاريخ الإسلام كله أنه لم تحاول دولة من الدول الإسلامية سواء كانت في عصور العزة والعلم أم في عصور الضعف والجهالة أن تتدخل في شئون غير المسلمين الدينية بل كانت تترك لهم حرية التحاكم إلى محاكمهم الملية في أحوالهم الشخصية، وكل ما له علاقة بعقائدهم.

فعل المسلمون هذا في مختلف العصور لا مجاملة ولا تفضلا بل نزولا على حكم الإسلام ولو أمرهم الإسلام بغير ذلك لفعلوا ونزيد على ذلك أن ما أوجبه الإسلام على المسلمين من آداب المعاملة في الجوار لم يفرق فيه بين مسلم وغير مسلم بل قال الرسول عليه السلام: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده"، هذا هو موقف الإسلام وعمله في القضاء على التعصب الطائفي لا كما يظنه المغرضون على الإسلام والجاهلون به.

والإسلام ضرورة إنسانية فإنه أمر بالتعاون بين الشعوب على أساس الحق والكرامة ومبادئ العدالة المطلقة التي لا تتأثر بالمصالح الشخصية والفروق الجنسية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (سورة الحجرات الآية 13)، وهو دين سلام.

ولذلك كانت تحية المسلمين السلام وختام عبادتهم السلام واسم الله السلام وتحيته لعباده يوم يلقونه سلام، بل إن هدف الإسلام هو إيصال الناس إلى طرق السلام (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ) (سورة المائدة الآية 15، 16)، ولهذا وجب على المسلمين كافة أن يدخلوا في السلم ولا يجوز لهم القتال إلا دفعًا للعدوان عن أنفسهم وعن غيرهم.

وإنما تعكر صفو السلام بين شعوب الأرض اليوم أن قادة هذه الشعوب لا ينظرون إلى مصلحة الإنسانية مجتمعة وإنما ينظرون إلى مصلحتهم ومصلحة شعوبهم فهم يدعون إلى السلام في جو من الحقد والجشع والتعصب وهي من أكبر عوامل الحروب بين الشعوب، فهذه الدعوة التي تتصاعد من هنا وهناك للسلام من رجال يصرون على استعمار الشعوب واستلاب خيراتها والعدوان على كرامتها ليست إلا نفاقًا وخداعًا يستحق الرثاء.

 

أيها الإخوان:

نحن نحيي هذه الذكريات لنتحدث عن الماضي فنعتبر به وعن الحاضر فنذكر أنفسنا بما يجب علينا القيام به - وقد حدثتكم عن العبر المستفادة من وقعة بدر وعن الإسلام كضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية - والآن أحدثكم عما يهمنا من شئون الحاضر:

لقد كنا نود أن تنتهي المحادثات التي جرت بين الحكومة المصرية والإنجليز بالاعتراف بحق مصر في الجلاء الناجز فنوفر على البلاد مجهوداتها وأموالها وأوقاتها لتدعيم نهضتها في الإصلاح والتعمير وتمكين مصر من خدمة قضايا شقيقاتها العربية والإسلامية والمساهمة في قضية السلام العام الذي يتطلع إليه العالم، ولكن المطامع الاستعمارية تغلبت على الإنجليز وأبت أن تعترف بحقنا في السيادة الحقيقية على أرضنا وتذرعت بأسطورة الدفاع عن العالم الحر لتبقى جيوشها مثلا للعدوان على شعب حر يريد أن يعيش قويًا وكريمًا وبذلك أصبحت مصر في حل من أن تسلك كل طريق يؤدي بها إلى تطهير أرضها من الغاصبين.

والإخوان المسلمون يضعون كل إمكانياتهم رهن وصول مصر إلى حقها الكامل لا يضنون في سبيل ذلك بدمائهم ولا بأموالهم ولا بجهودهم، وإن لهم من إيمانهم وصدق وطنيتهم وقوة تربيتهم ما يجعلهم قادرين على تحمل الأعباء الجسيمة في معركة مصر المقبلة، وإذا كان غيرهم يعتبر قيامه بهذا الواجب مما تفرضه عليه الوطنية فإن الإخوان يرون في قيامهم بنصيبهم في تلك المعركة عبادة بتقربون بها إلى الله ويشترون بها الجنة.

وإننا مع هذا نتابع جهودنا في ميدان الإصلاح الداخلي متعاونين مع كل من يريد الإصلاح والخير لهذا الوطن مؤيدين رجال العهد الحاضر في ذلك تأييد الكريم للكريم لا يألوه عونًا إن أصاب ولا نصحًا خالصًا إن أخطأ، معرضين عن كل ما يحاوله أعداء الإصلاح في عهده الجديد من إيغار الصدور وتفريق الصفوف، وموقفنا هذا مما يفرضه حق الأمة والوطن على جماعة تدعوا إلى الله وتحمل لواء الإصلاح لا تبتغي من الناس جزاء ولا شكورًا، وليس علينا بعد ذلك أن تكون نصيحتنا مقبولة أو غير مقبولة ونحن لا ندعي العصمة في الرأي وإنما نسأل الله للناس التوفيق والسداد.

وإذا كنا قد أعلنا عن استعدادنا للعمل لتحرير مصر من كل أثر للاحتلال، فإننا نعلن بهذه القوة نفسها وهذا العزم نفسه عن استعددنا للعمل على تحرير الشعوب العربية والإسلامية من الاستعمار والاحتلال حتى يتبوأ العالم الإسلامي مكانة اللائق به في عالم الحق والخير، وما دام الإسلام يعتبر معركة الحرية في بلاد الإسلام واحدة لا تتجزأ فإن على كل مسلم أن يساهم بنصيبه في تحرير الوطن الإسلامي من قيود الاستعمار وآثار الطغيان.

 

أيها الإخوان:

إن الله جعلكم جنودًا لقضية الحق والفضيلة والعزة في وطنكم وفي العالم الإسلامي كله، وإذا كان من واجب الجندي المخلص أن يكون مستعدًا دائمًا للقيام بواجبه في خوض المعركة، فإن من واجبكم أن تكونوا مستعدين دائمًا لما يؤدي بكم إلى النصر في ميادين الإصلاح والتحرير، فزكوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وحاربوا أهواءكم وشهواتكم قبل أن تحاربوا أعداءكم، فإن من انهزم بينه وبين نفسه في ميدان الإصلاح أعجز من أن ينتصر عدوه في معركة السلاح، وكونوا مثلا حيًا للأخلاق القرآنية حتى يعرفكم الناس بأخلاقكم قبل أن يعرفوكم بأقوالكم.

 

المصدر: مجلة المسلمون

العدد (8) – السنة الثانية – شوال 1372هـ / يونيو 1953م

 

 

 © 2018 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين