إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

19 - 4 - 2019م

13 شعبان 1440 هـ

العدد 1027

 

مقال الأسبوع

 

 

 

حسن البنا

نسر يخفق بجناحيه في سماء الناس

 

إبراهيم منير - نائب المرشد العام

 

(9)

 

واثق الخطو، مدركا هدفه في الحياة، جادا في إلزام نفسه بما تكونت لديه من قناعة بواجب العمل لدين الله على أسس صحيحة وسليمة خروجا من تحت أنقاض انهيارات أمته وأزماتها، وصل إمامنا الشهيد إلى سن العشرين ومعها كانت سنة تخرجه من دار المعلمين عام 1927م وهي مرحلة تتفتح فيها آمال الشباب على دنيا العمل والانطلاق في الحياة والانعتاق من أثقال الدراسة وتكاليفها، ومعها كانت تجربة نسرنا الخافق في سماء الناس في معايشة مجتمع القاهرة في هذا الزمان شابا يافعا ما كاد يغادر فترة المراهقة العمرية وفترة مواجهة صادمة لبعض سلوكيات الناس ومفاهيمهم وأحوال بلده السياسية، فكان سعيه الشخصي للبحث عن الحقيقة الناصعة التي ترتاح لها نفسه وتأنس بين خيارات فكرية واجتماعية وسياسية توزعت على الناس يناقض بعضها بعضا أحيانا ويقاتله إذا وجد إلى ذلك سبيلا، ويحاول الآخر التعايش مع الباقين، ويؤكد الثالث الذي ينكفئ إلى ذاته محاولا النجاة من فتنة إعصار تكّون يجتاح الهوية والوطن والدين أن خياره هو الصحيح، ليأتي امتحان نهاية العام في اللغة العربية مادة التعبير (الإنشاء) تحت عنوان: (إشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبيّن الوسائل التي تعدها لتحقيقها) لتأتي إجابته ثابتة واضحة خطّ فيها طريقه بأسلوبه الجامع، ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يجريه على قلمه بكلمة فيها من معاني الإلزام للنفس والعهد بالوفاء أكبر مما فيها من معاني البلاغة التي يهيم حولها من في موقعه في ساعة الاختبار الدراسي النهائي .. فكانت كلمة (أعتقد) هي التي تأتي على رأس فقرات إجابته:

أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة - التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية - على توعر طريقهما، وما فيه من مصاعب - ومتاعب - راحة ولذة،

وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه، ولا تتجاوز فائدته عامله، قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره، من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره، وعلى هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين، لأني أراهم نوراً ساطعاً يستنير به الجمع الكثير ويجري في هذا الجم الغفير، وإن كان كنور الشمعة التي تضيء للناس باحتراقها.

وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضا الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه.

وأعتقد أن قومي – بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها، والمؤثرات الإجتماعية التي مرت بهم وبتأثير المدنية الغربية، والشبه الأوروبية، والفلسفة المادية، والتقليد الفرنجي - بعدوا عن مقاصد دينهم، ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم، وآثار أسلافهم، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلماً وجهلاً، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحقيقية السمحة، بحجب من الأوهام يحسر دونها البصر، وتقف أمامها الفكر، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك، أورثا العقيدة فساداً، وبدلا الإيمان إلحاداً.

وأعتقد كذلك أن النفس الإنسانية محبة بطبعها، وأنه لا بد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها، فلم أر أحدا أولى بعاطفة حبي من صديق امتزجت روحه بروحي فأوليته محبتي، وآثرته بصداقتي،

كل ذلك أعتقده عقيدة تأصلت في نفسي جذوتها، وطالت فروعها، واخضرت أوراقها، وما بقي إلا أن تثمر، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:

خاص”: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، والوفاء لذلك الصديق المحبوب ما استطعت لذلك سبيلاً، وإلى أكبر حد تسمح به حالتي، ويقدرني الله عليه.

"وعام": وهو أن أكون مرشداً معلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.

ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير "ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما".

فتى في العشرين من عمره يحدد طريقه ويصوغ أفكاره التي أصبحت بعد ذلك فكرا يسود الدنيا في موضوع (تعبير) وينطلق كسهم حاد جاد يسابق عمره يدفعه قدره أن يكون صاحب مدرسة يلهمه الله سبحانه وتعالى إليها فتأتي بنبت جديد غريبة على دنيا الناس في زمانها – غرابة صاحبها – ولكنه تميز عن غيره باعتقاده بصحة المُعْتَقَد ويقين المُعْتَقِد بأنه بالغ أمره بإذن الله لتتشكل صورة ذلك النسر الخافق بجناحيه في سماء الناس.

يتبع إن شاء الله تعالى.

 

 

 © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين