إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

20 - 7 - 2018م

7 ذو القعدة 1439 هـ

العدد 993

 

مقال الأسبوع

 

 

 

 

بين الجهاد الأعمى

والجهاد المبصر

 

الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

 

دار بيني وبين شاب من العاملين في الميدان الإسلامي حوار قاس، كنت فيه أطيل الاستماع، وأقلُّ التعليق، وفي نهاية المطاف، قلت ما عندي كله ...

قال: إنكم تتهموننا بالتطرُّف فهلا شرحتم موقف الطرف الآخر منا؟ وكشفتم عن مسلكه معنا، أكان معتدلا أم متطرفا؟ إن فلانا فعل بنا كذا وكذا، مِنْ سفك وهتك و... و...

قلت: إن فلانا هذا مات من سنين طوال وأفضى إلى عمله، رحمه الله!

فصاح: لا رحمه الله ولا غفر له، لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر له ما قبل منه! ألم تقرأ قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الشأن: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين).

وحاولت الكلام...! ولكنه مضى يهدر: ماذا تقول في رجل أذلَّ العرب ومكَّن لليهود؟ ماذا تقول في رجل ألغى المحاكم الشرعية، والوقف الإسلامي، وحل الجماعات الإسلامية، أو وضع نشاطها تحت الحراسة، وقتل مئات المؤمنين في السجون أشنع قِتلة، وعذاب الألوف عذابا تشيب له النواصي، وأذل من أعز الله، وأعز من أذل الله، ولم يترك الدنيا إلا بعد أن صبغ وجوه المسلمين بالسواد والخزي!! ومكن لأعداء الله تمكيناً ما رأوا مثله من ألف عام!!

قلت له: لا تجترَّ آلام الماضي، واشتغل بالبناء للإسلام، وليكن ذلك أغلب على فكرك من الانتقام وطلب الثأر  ... واستمعوا إلى من يعرّفكم بحقائق الإسلام من كبار المربين، وجهابذة العلماء، بدل أن تكتفوا بقراءة مجردة لبعض الكتب.

فقال الشاب في مرارة: كبار العلماء؟! إن أمرا صدر إلى هؤلاء الكبار باستقبال "مكاريوس" جزار الإسلام في قبرص، فاستقبل بحفاوة في الأزهر الشريف ...

وإن أمرا آخر صدر بمنح "سوكارنو" وهو شيوعي متبذل، معروف جيدا في إندونيسيا، شهادة الدكتوراه في الفلسفة فاجتمع هؤلاء الكبار ومنحوه من الأزهر الشريف هذه الشهادة!

وأمرا ثالثا صدر بوضع الحجر الأساسي لكنيسة، فسارع وكيل الأزهر إلى تلبية إشارة السادة الذين أمروه، ولم يقع في تاريخ الفاتيكان نفسه أن كُلِّفَ رجل دين كاثوليكي بوضع الأسس لكنيسة تخالف مذهبه!!

وقد سكت أولئك العلماء على مظالم أفقدت الجماهير نخوتها وكرامتها وشجاعتها، ورضوا بمحاربة مظاهر التديُّن والتقوى مع أننا نواجه دولة دينية أقامت كيانها على أنقاضنا!...

قلت: يا بُنيَّ ليس كل العلماء كما تصف، وإذا مضيت أنت وصحبك في هذه السبيل فلن تعودوا.

إن الخوارج قبلكم ركبوا هذا الشطط، فَدُفنوا في تراب التاريخ على عجل .. والذين قادوا الرسالة الإسلامية ليسوا ولاة السوء، ولا المعارضين الحمقى! إنما قادة الإسلام العلماء المربون، والفقهاء المخلصون!...

هل أقول: إن اليهود أعقل منكم؟

قال: كيف؟

قلت: لما عقدوا أول مؤتمر عالمي لهم في سويسرا كي يقيموا دولتهم، ووصلوا إلى مخطط مدروس، قال رئيسهم "هرتزل": ستقوم "إسرائيل" بعد خمسين سنة! وقامت بعد خمسين سنة!...

إن الرجل لم يعمل لنفسه ولا لأولاده، إنه يغرس لمدىً بعيد، ربما لا يذوق جناه إلا الأحفاد! ليس مهما أن يرى هو نتاج ما فعل، المهم أن يصل إلى غايته...

وإنما قدّر الرجل نصف قرن لأنه يريد الخلاص من مشكلات تراكمت خلال قرون طوال، لا يمكن الخلاص منها بجرة قلم أو بصيحة حماس!...

ومن الظلم أن أُحمِّل الجيل المعاصر أوزار الهزائم الهائلة التي لحقت بنا، إنها حصاد خيانات اجتماعية وسياسية وقعت من زمان غير قصير، فكيف تفكرون في إزالتها بخطط مرتجلة وجهود قاصرة؟

إن رسولنا صلى الله عليه وسلم يوم صَاح بعقيدة التوحيد كانت مئات الأصنام صفوفا داخل الكعبة وحولها، وقد ظل ثلاثا وعشرين سنة يدعو، تدري متى هَدَمَ هذه الأصنام؟ في السنة الحادية والعشرين من بدء الدعوة!!.

إنه ما فكر حتى في عمرة القضاء أن يمسَّ منها وثنا، أي قبل فتح مكة بسنة، أما أنتم فتريدون الدعوة إلى التوحيد في الصباح، وشنَّ حملة لتحطيم الأصنام في الأصيل! والنتيجة التي لا محيص عنها مصارع متتابعة، ومتاعب متلاحقة، ونزق يحمل الإسلام مغارمه دون جدوى!

وأريد أن أؤكد للشباب أن إقامة دين شيء، واستيلاء جماعة من الناس على الحكم شيء آخر، فإن إقامة دين تتطلب مقادير كبيرة من اليقين والإخلاص ونقاوة الصلة بالله، كما تتطلب خبرة رحبة بالحياة والناس والأصدقاء والخصوم، ثم حكمة، تؤيدها العناية العليا في الفعل والترك والسلم والحرب!...

إن أناسا حكموا باسم الإسلام، ففضحوا أنفسهم، وفضحوا الإسلام معهم!!

فكم من طالب حكم يؤزه إلى نشدان السلطة حب الذات، وطلب الثناء، وجنون العظمة!!

وكم من طالب حكم لا يدري شيئا عن العلاقات الدولية، والتيارات العالمية والمؤامرات السرية والجهرية!!

وكم من طالب حكم باسم الإسلام وهو لا يعرف مذاهب الإسلاميين في الفروع والأصول، فلو حكم لكان وبالا على إخوانه في المعتقد، يفضلون عليه حكم كافر عادل!!

ولقد رأيت ناسا يتحدثون عن إقامة الدولة الإسلامية لا يعرفون إلا أن الشورى لا تلزم حاكما، وأن الزكاة لا تجب إلا في أربعة أنواع من الزروع والثمار، وأن وجود هيئات معارضة حرام، وأن الكلام في حقوق الإنسان بدعة ... إلخ، فهل يصلح هؤلاء لشيء؟!

إنني أقوم بالعمل أحيانا، ثم أراجع دوافعه في نفسي، فأشعر أني لم أكن فيه مخلصا كما ينبغي! غلبني حب الدنيا أو الاعتداد بالنفس، فأحس الألم والندم، وأرى أني  بهذا الخلطـ لا أصلح لولاية الناس، وجعل كلمة الله هي العليا...

ذلك أن الله عندما يُهلك الظلمة لا يستخلف بعدهم ظلمة مثلهم، إنما يستخلف مسلمين عُدولاً صالحين، قال تعالى موضحا سبيل من يؤيدهم من خلقه: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون * وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد).

هناك نصاب من الكمال النفسي والعقلي لابد من تحصيله لمن يريد خدمة الدين، وإقامة دولة باسمه، واكتمال هذا النصاب لا يتم بغتة، وإنما يتكون مع سياسة النَّفَس الطويل ... ومعاذ الله أن أتهم غيري بسوء النية، ولكنني أريد تحصين نهضتنا من العلل التي لا تبلغ القصد، ولا تحقق الهدف.

 

 

 

 © 2018 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين