إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

7 - 12 - 2018م

 29 ربيع أول 1440 هـ

العدد 1010

 

مقال الأسبوع

 

 

إسم الإخوان لا يتغير

 

المرشد الراحل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله

 

يقولون: لماذا يتمسك الإخوان المسلمون، باسم الإخوان المسلمين؟!!

أهم يعملون لله أم للإخوان؟!!

لماذا لا يتخلون عن هذا الاسم إلى أي اسم آخر؟!

والجواب غاية في البساطة والوضوح، فالذين بادروا بالاستجابة إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماهم الله في كتابه بالسابقين، وظل هذا الاسم تشريفا لهم في القرآن نتلوه لك يوم، جزاء لهم على مبادرتهم إلى الاستجابة .. (والسابقون السابقون).

ثم الذين أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا جميعا في ذروة الإيمان، وصحبتهم كلهم كلمة الصحابة، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك فقد صنفهم القرآن الذي نصلي بآياته، فمنهم المهاجرون ومنهم الأنصار، ومنهم الأعراب (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله)، ورغم هذه الصفات لم يخدش ذلك من إيمانهم شيئا، فكلهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصروه وجاهدوا معه، وبقيت الأسماء معالم على طريق الإيمان من ذلك اليوم حتى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يقل أحد إن المهاجر كان يعمل للمهاجرين، ولا الأنصاري كان يعمل لحساب الأنصار، بل الكل يعمل للإسلام، فلماذا إذً يعجبون من تمسكنا باسم الإخوان المسلمين، ويريدون منا تغييره، ويلحون في ذلك إلحاحا شديدا، ولو رضي أي واحد من أفراد هذه الجماعة، فلن يكون في صفوفها حتى ولو كان أعمق منهم يقينا.

ولما فصلت الجماعة بعض أفرادها، قال مرشدها الأستاذ الهضيبي رضوان الله عليه، إننا لم نفصلهم طعنا في دينهم، ولكن لأنهم خالفوا بعض نظم الجماعة التي لن يستوي صفها، إلا بالذين يلتزمون نظمها،

فلماذا المطالبة بتغيير الاسم؟

إنها رغبة دونها خرط القتاد وبرك الغماد، لا تعصبا ولا جريا وراء شعارات تافهة، ولا تعاليا على مسلم على الأرض، ولا استئتاراً لرحمة الله دون غيرهم من المسلمين، ولكن لأسباب قدرناها فالتزمناها، وثبت عندنا مفعولها فاعتنقناها، وآتت ثمرها فارتضيناها:

أولا: أصبح اسم (الإخوان المسلمون) مدرسة يتتلمذ في معاهدها الدعاة العاملون المخلصون المجاهدون.

ثانيا: أصبحت دعوة عالمية في مشارق الأرض ومغاربها، فلو تخلى عنها في بلد، لم يتخل عنها الآخرون في بلد آخر، وبذلك يصبح تغيير الاسم، مدعاة لتمزيق وحدة الصف، وهذا ما لا يرضاه واحد من الإخوان المسلمين لجماعته النقية البريئة. فالتمسك بالاسم خير من المشاحنة عند تغييره.

ثالثا: إن هذا الاسم أغلى علينا من حياتنا، لأن العاملين تحت رايته، رووه بالنصب والتعب والاحتساب والاحتمال، والدماء الزكية التي سالت في سبيل الله استشهادا، فمن التنكر للشهداء الأبرار أن نتخلى عن اسم سجلوه في صفحات الجهاد بدمائهم الطاهرة.

لقد بذلت محاولات مع الإخوان لتغيير إسم الهيئة وقدموا تعلات جعلت بعض الإخوان يميلون إلى تغيير الاسم ما دامت الوعود تمكنهم من العمل في سبيل الله كما قيل. ولكن الأغلبية الساحقة رفضت للأسباب الآتية:

أولا: إذا كان هدف الداعية هو تمكين الإسلام من القيام بما يقومون به، فما الداعي لتغيير الاسم وهل التغيير الشكلي مع بقاء المضمون يمكن أن يخدع من يريد المساومة على الإسم؟ .. إنه خطوة أولى من أعداء الدعوة، تليها خطوات كما شأن السياسيين الماكرين في أساليبهم؟

ثانيا: هذا الاسم مستمد من القرآن (إنما المؤمنون إخوة) فنحن إخوان ... ثم  ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل  ونحن بحمد الله مسلمون، ومنفذون لأمر الله حيث يقول (وكونوا عباد الله إخوانا)، من كل هذا فنحن الإخوان المسلمون.

ثالثا: شاع هذا الاسم في كل البلاد الإسلامية مقرونا بالثقة والتقدير فقامت في كل منها شعب الإخوان إيمانا بالوسائل التي رسمها منهج الإخوان. فلو فرضنا أن الإخوان في مصر رضوا بتغيير الاسم فهل يقر الإخوان في كل مكان هذا التغيير؟ .. وإذا لم يرضوا بذلك ألا يقع الشقاق الذي يتمناه أعداؤنا من كل قلوبهم، لأنهم عجزوا عن تفرقة الصف من خارج الجماعة، فوصلوا إليه من داخلها، فهل يرضى بذلك مسلم مخلص؟

رابعا: أن الإمام الشهيد، رائد عملي ممتاز من رواد الحركة الإسلامية في القرن العشرين وبايعه الإخوان على هذا الفهم وخلده التاريخ من بين المنقذين، ليجددوا للإسلام صفاءه ونقاءه الذي حاول الكثيرون طمس معالمه، وما هم ببالغين من أمانيهم إلا الحسرة والمرارة ... إن الاخوان بايعوا الإمام الشهيد على أنه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، فكيف يغيرون من بعده، ونكث البيعة ليس من شيم المسلمين، ثم هل نحن نملك أن نغير وضعه الذي لقي ربه شهيدا من أجله.

خامسا: أن دعوة الإخوان المسلمين أصبحت مدرسة متميزة عن غيرها من الجماعات الإسلامية، تتلمذ فيها وعلى مبادئها كل العاملين للإسلام بشموله .. حتى الذين خرجوا على الإخوان واختاروا لأنفسهم إسما آخرا، كانوا تلامذة في هذه المدرسة، وحتى بعض الذين خرجوا على الجماعة لا يزالون يسمون أنفسهم بالإخوان المسلمين، إحساسا بجلال الاسم وروعته. وكل هؤلاء انصرف الناس عنهم فلا هم بقوا في الصف ولا هم قدموا للناس شيئا جديدا.

سادسا: قامت في العالم الاسلامي دعوات متعددة فلم تنل واحدة منها من الذيوع والإنتشار، ما نالته دعوة الاخوان والمسلمين، وأحس أعداء الإسلام بفاعلية هذه الدعوة في نفوس المسلمين فقاوموها وحدها أشرس مقاومة وسلطوا عليها أصحاب النفوذ الراغبين في زينة الدنيا وبهجتها، وابتليت هذه الجماعة وحدها دون غيرها بما لم تبتل به حماعة إسلامية أخرى ... ورغم كل هذا الهول المريع كان الإخوان يخرجون من كل محنة، أصلب عودا، وأقوى تماسكا، وأكثر عددا.

إن تركيز أعداء الاسلام نقمتهم على الإخوان لأكبر دليل على أن هذه الجماعة هي العقبة الكأداء في طريق مقاصدهم الشريرة لأنها حققت "أن الإسلام قوة وعمل".

لقد كان "حسن البنا" رضوان الله عليه أول من أخرج هذا العلم إلى حيز العمل والتنفيذ في كل جوانب الحياة في القرن الأخير من تاريخ الدعوة الإسلامية.

سابعا: هذه الدعوة قدمت المئات من الشهداء وعلى رأسهم قائدها. وكل هؤلاء الشهداء بذلوا حياتهم في ظل هذا الاسم العلمي العملي الواقعي، فمن التنكر غير الكريم لهؤلاء الأبرياء الأبرار الأطهار أن يخلف من بعدهم خلف يرضى لمروءته ورجولته تغيير هذا الاسم الذي أعلى من ذكره وكتبه سلفهم الصالح بدمائهم الزكية أحرفا من عطر، وإشراقا من ضياء في دعوة الله.

ثامنا: التميز في الحقل الاسلامي ركيزة من ركائز الدعوة إلى الله، وقديما هتف الصحابة (يا أهل بيعة الرضوان تميزوا) وكان لهذا النداء بالتميز فضل النصر بفضل الله.

فلا بد إذن وأن تتميز دعوة الإخوان حتى لا تضيع في خضم القوالين الأدباء المنمقين الذين يجيدون الكلام ولا يصبرون على الصدام (وإن يقولوا تسمع لقولهم) وذهب الذين أساءوا وبقي إسم الإخوان وجماعتهم طاهرا نقيا عالي القدر لأنه الحق والحق إسم من أسماء الله الحسنى والحق أحق أن يتبع.

تاسعا: الإسلام شكل ومضمون، فأركانه لها ألفاظ معينة، وصور تؤدى بها، المضمون هو العبادة لله وحده وإفراده بالاتجاه، وموضعها القلب وهي وحدها التي عليها الحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين، إذا اقترنت بالشكل الصحيح السليم، فمن لم يصل بالصورة التي أمرنا بها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تنكرا لهذه الشكليات فليس بمسلم، وإن ظل ليله ونهاره يؤديها بصورة غير التي يعرفها المسلمون ... كذلك الإخوان المسلمون إسم يدوي في الآفاق على شكل ومضمون محدد واضح، وبهذا الفهم تعلقت القلوب بدعوة الإخوان.

فكل محاولة لتغيير هذا الاسم تغيير لحقائق ثبتت على الأيام ثبوت الرواسي ... ففي تغيير الاسم ضياع للكثير من المفاهيم التي ترسخت عن طريق هذا الاسم العملي في الحركات الإسلامية.

ثم لماذا نغير؟ أو لسنا إخوة في الله؟ أو لسنا مسلمين؟ فما الذي يضايق في هذا الاسم الطاهر؟

أم أن هناك من ينكر أننا مسلمون وأننا إخوة في هذا الإسلام؟

لهذا يتمسك الإخوان المسلمون بهذا الاسم ولو نازعتهم الدنيا كلها عليه.

إننا لم نقل يوما إننا وحدنا المسلمون وغيرنا ليس بمسلم.

ولا نكفر لا بصغيرة ولا بكبيرة ولا نتعالى على التعاون مع كل من يدعون إلى تطبيق شرع الله على عباد الله.

فما الدافع الحقيقي في المطالبة بتغيير هذا الاسم الناصع التاريخ.

اللهم إنك تعلم إننا نتمسك بهذا الاسم حبا لك وجهادا في سبيلك وتآخيا في دينك.

لا نقدس مرشدا، ولا نعترف بزعيم، غير نبيك، فاحفظ علينا إيماننا، وثبت أقدامنا إن اعتدى علينا، واكتب لنا النصر والتأييد، فلا ناصر سواك، ولا نصر إلا من عندك.

عاشرا: عرف العالم كله متانة الأواصر التي تجمع بين قلوب الإخوان المسلمين، وأنهم يؤثرون إخوانهم على أنفسهم، وأنهم أشربوا هذه العاطفة في ظل هذا الاسم الكريم، فهل بعد فضل الله بهذه الدعوة المستمدة من كتابه عليهم، وترسيخ هذه المشاعر النبيلة التي يفتقدها الكثيرون، هل بعد أن اختلط دم الشهيد منهم بدم شهيد إلى جواره في ميادين الجهاد تحت راية الإخوان المسلمين؟ هل بعد هذا كله يرضون تغيير أسمى وأنبل ما يوصفون به في هذه الحياة.

أحد عشر: هذا التاريخ الطويل المجيد الذي أرغم الكل على الاعتراف ببطولة الإخوان ورجولتهم وتضحيتهم في سبيل دعوتهم، وبدمائهم الطاهرة التي روت أرض فلسطين السليبة، الشاهد على فعالية العقيدة الإسلامية وتفاعلها مع نبضات القلوب وهذه المواقف الرائعة على ضفاف القناة، هل يجمل بنا أن ننسى الاسم الذي حملناه طوال سنوات الجهاد؟.

ثاني عشر: ما عيب هذا الاسم؟ .. ألأنه يفزع بعض القلوب المتأرجحة؟ لا داعي لذلك، لأن التصريحات الرسمية من المسؤولين هذه الأيام تتوالى، بأن الإخوان بعيدون عن العنف والإرهاب .. وإن أخطأ واحد أو أكثر ينسحب هذا على الجماعة كلها! ...  يا له من تعسف! ... ولا تزر وازرة وزر أخرى، أو ليس في جميع الأسر والمجتمعات والشعوب محسن ومسئ؟ ... فلماذا هذا الإصرار على تحميل الجماعة كلها أخطاء بعض أفرادها؟.

ثالث عشر: ما عيب هذا الاسم؟ ... ألأنه دليل الحيوية والتضحية والفداء؟ ... ألأنه لفت أنظار العالم الإسلامي إلى حقائق في دينه كادت تتوارى لطول انصرافهم عنها؟ ... ألأنه جمع شباب الجامعات والمدارس الثانوية على التوحيد في سبيل هذا الدين؟.

رابع عشر: إن الناس يعتزون بطيب أصلهم وجلال أرومتهم، فهل نتبرأ من أننا سلفيون ننتسب إلى السلف الصالح؟ هل نغير اسما  نمى في قلوب الشباب معنى الجهاد في سبيل الله؟.

خامس عشر: قدّم الإخوان منهجا إصلاحيا جليلا، يقوم على أصول من الكتاب والسنة، يدعو إلى وحدة الأمة الإسلامية تحت راية الخلافة العتيدة، فكل من ينكر أو يرضى بتغيير هذا الاسم فهو غير راض عن المنهج نفسه فكيف نستمع له؟ أو نرضى عنه؟ وكيف نجرؤ على هذه الفعلة الخسيسة؟.

سادس عشر: إذا كان خصوم الإسلام يلحون على تغيير الاسم فلابد أن يكون لهم من وراء ذلك هدف ليس فيه خير للمسلمين، فهل تبلغ بنا البلاهة والغفلة أن نحقق لهم أهدافهم وبهذه البساطة؟ ما أغبانا وأتعسنا وأشقانا إذا استجبنا لهم.

سابع عشر: من أهم أسباب نجاح الجماعات الثقة الكاملة في صلاحيتها المستمدة من اسمها، وهذه الثقة لا تتأكد إلا إذا تمسك بها دعاة الجماعة شكلا وموضوعا. فهل ضعفت ثقتنا في هذه الجماعة ومنهاجها حتى نقبل الكلام في تغيير اسمها وبلا مبرر معقول؟!.

ثامن عشر: معظم الأحزاب السياسية بل وبعض الجماعات الإسلامية، هاجمت الإخوان المسلمين ونالت منهم بالباطل، وهي تظن أن هذا الهجوم سيؤثر على الجماعة، فأعطتهم الدرس الكريم بالإعراض عن الرد عليهم، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة، تجنبا لتوسعة شقة الخلاف بين المسلمين فكان درس الصفح والتسامح بليغا، بهذا عرف اسم الجماعة، تجمع ولا تفرق، تسامح ولا تثأر، وتمضي في طريقها قائلة للجميع سلام عليكم ليس لدينا من الفراغ ما يمكننا من الاهتمام بهذه الجوانب الفرعية.

تاسع عشر: ثم هبنا بعد ذلك كله غيرنا اسمنا فهل نجد من يصدقنا بأننا لسنا نحن الإخوان المسلمين. وقد حاول الكثيرون ممن خرجوا على الجماعة التبرؤ من الاسم، فلم يك هذا لينفعهم عند من أرغموهم على التغيير، ولم يصدقوهم، فخسروا شرف انتسابهم للجماعة، ثم لم يحصلوا على ثقة من تزلفوا إليهم لينجوا من تعقبهم، وهكذا سواء علينا أغيرنا الاسم أو لم نغيره، فسنظل عند جميع الناس، أننا الإخوان المسلمون.

فما بالنا نلح فيما لا طائل من ورائه، ولا يدفع عنا ضرا ، ولا يحقق نفعا، أليس من الأفضل والأكرم أن نظل الإخوان المسلمين، لا تعنتا ولا تعصبا، ولكن احتراما لأنفسنا، وحفاظا على تراثنا، وإلا صرنا كالورثة السفهاء الذين يضيعون كل ما بناه الآباء والأجداد.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم          إذا جمعتنا يا جرير المجامع

والله أكبر ولله الحمد.

 

 

 

 

 © 2018 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين