إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

10 - 8 - 2018م

28 ذو القعدة 1439 هـ

العدد 996

 

مقال الأسبوع

 

 

 

 

شهر في الأرض المقدسة

 

الإمام الشهيد حسن البنا

 

شعور شائع: منذ عزمت على زيارة الأرض المقدسة كان يشيع في نفسي شعور غريب قوي فعال يهز روحي هزًّا قويًّا، ويتأثر به قلبي تأثرًا غريبًا، ومن العواطف القوية ما لا يعرف لونه؛ فهو مزيج من الأمل، ومن الإشفاق، ومن الخوف، ومن الرجاء، ومن الحب، ومن الوله، ومن الشوق، ومن الحنين، وكذلك كان شعوري كلما تذكرت عزمي على زيارة الأرض المقدسة.

وكثيرًا ما تكون تلك العواطف المركبة أبعد أثرًا وأعمق غورًا مما يظن الناس؛ فلقد كنت أجلس إلى نفسي فأتمثل لها مكة ومقدساتها، وطيبة وأنوارها، وأصعد بها إلى الماضي البعيد؛ فتستعرض قريشًا وآثارها والدعوة الأولى وأسرارها، ثم تستمر سائرة مع تاريخ الإسلام الحي القوي، فإذا ساعات عظيمة وانتصارات تسمو على البشرية، وتتعالى على التاريخ نفسه، وتتحدى الأرض ومن فيها، وإذا ساعات من الضعف تُثير الشجون وتستدر العيون.

وكذلك كان شأني في هذه الجلسة التي أخلو فيها بنفسي قبل السفر؛ فأستعرض الخواطر جميعًا، وكثيرًا ما كنت أرى نفسي مندفعًا في بكاء صامت أو مغمورًا في فيض من الشعور بالسرور، أو ذاهلاً لا أذكر مما حولي إلا هذه الخواطر التي تجسمت أمامي، فتخيلتها الحقوق الماثلة.

ولبعض الألفاظ سلطان قوى على النفس لارتباطه القوى بذكريات مسميات هذه الألفاظ، ولصلته المتينة بشعورٍ سابقٍ ولاحق، تُثيره هذه الذكريات؛ فإذا ما ذكرت هذه الألفاظ أهاجت الساكن، وحركت الكامن؛ فاندفعت تتأثر للكلمة، وتبكي للفظ وما هو إلا المعنى الرمزي لكل ما تعلق به من مشاعر وذكريات؛ فالكعبة، والبيت الحرام، وحراء، وزمزم، ومقام إبراهيم، وغار ثور، وخيف منى، ووادي عرفة، ومسجد نمرة، وبطن الصفا، ومسجد بلال، ومصلى التنعيم، والمشعر الحرام، وشامة، وطفيل، ومزدلفة، وثبير، وبني سالم بن عوف، ومسجد قباء، وبئر آريس، وجبل أحد، وروضة البقيع، والروضة بين القبر والمنبر، وآثار الخندق.

كل هذه الأسماء في مكة والمدينة، لها على نفسك سلطان أي سلطان، حين تذكرها، وحين تمثلها لنفسك، وحين تمني نفسك برؤيتها ومشاهدتها، وما ذلك إلا لأنها تصور لك ما كان فيها من حادثات جسام تهتم لها وتتأثر بها.

ولا أطيل عليك ولا أسترسل في وصف شعور يتجدد كلما ذكر، ويستفيض كلما تجدد، وينهمر هذا الفيض حتى لا تكاد تشعر بنهاية أو تدرك مدى غاية.

ولكني أقول لك: إن أهم ما حدا بي إلى زيارة هذه البقعة المباركة غير ما يحدو بكثيرٍ من الناس؛ فإن أعظم ما يسير بالناس إلى هذه البقاع المطهرة الرغبة الملحة في أداء الفريضة والزيارة المباركة رجاء الثواب أو خوفًا من التبعة يوم القيامة، أو الرغبة الملحة في التمتع بما أفاضه الله على هذه الديار وساكنيها من بركة وخير؛ وذلك جميل حقًا، وذلك بعض ما حدا بي إلى الرحلة.

أما السبب الأول في الحقيقة فهو "دعوة الإخوان المسلمين"، ولعله يسبق إلى ذهنك من هذا الاعتراف أنه الرغبة في نشر دعوة الإخوان المسلمين وتلمس الأنصار والمؤمنين بها من آفاق الأرض، ومن القلوب الطاهرة التي تهوى إلى هذه الأرض المقدسة، وليس ذلك كذلك، وإن كان أملاً من الآمال، وفائدة من الفوائد المنتظرة، ولكن الذي أقصده أن دعوة الإخوان المسلمين، وهي دعوة خالصة لوجه الله من أول يوم، مؤسسة على تقواه، مستندة إلى عظمته سبحانه، هذه الدعوة أعتقد أنه لا بد لنجاحها من أمرين أساسيين:

أولهما: طهارة القائمين بها، ونزاهة نفوسهم حتى تصلح لتلقى المعونة والنصر من الحق تبارك وتعالى.

وثانيهما: صلة هذه القلوب بالداعي الأول صلى الله عليه وسلم، صلة روحية قوية تؤدى إلى حسن الاتباع والاستمساك بالسنة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

فأما الطهارة النفسية فأول سبلها حج بيت الله الحرام؛ حيث تحط الذنوب والأوزار، وأما المدد الروحي من الداعي الأول صلى الله عليه وسلم فسبيله زيارة حرمه والتمتع بروضته، ويلحق بهذه الأسباب جميعًا ما تستفيده روح الداعية من معاهدة مواطن الدعوة الأولى، واستعراض حوادثها استعراضًا عمليًّا على أديم الصحراء العربية لا في صفحات الكتب وآراء الرجال.

ذلك أهم ما أثار النفس وهفا بالقلب إلى أرض الوحي ومهابط التنزيل، والقلوب بيد الله يقلبها كيف شاء؛ فاللهم ثبت قلوبنا على دينك.

 

 

 © 2018 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين