إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

صفحتنا بيضاء

 

أبحاث ودراسات

 

من معين التربية الإخوانية

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

26 - 2 - 2021م

 14 رجب 1442 هـ

العدد 1112

 

في ذكرى استشهاد

الإمام حسن البنا

ثبات على الثبات

إبراهيم منير

نائب المرشد العام

 

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27).

 

تثبيت:

إنه الثبات في ظل اللأواء، والصبر على البلاء، و الوفاء بالعهود ... فلقد مضت سنةُ ربك من قبل ومن بعد  إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ما صدع أحدٌ بالحق وجهر به، ودعا الناس إليه، إلا أُوذي .. والعاقبة للمتقين، والنصر للصابرين ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأنعام: 33 - 35).

 

من أنا؟:

أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف.

بهذه الكلمات حدد حسن البنا من هو، وماذا يريد؟، وشاء القدر أن يهتف بها الشعب المصري (في 25 يناير) وأن يسقط  بها  مبارك في ليلة 12 فبراير نفس ليلة استشهاد الإمام البنا في 49 .. وهي (عيش .. حرية .. كرامه إنسانية)، بيد أنه رحمه الله  ظللها بالاسلام الحنيف؛ حتى لا تكون  خاضعة لأهواء الحكام ، ولا لفتاوي شيوخ السلطان،  وليضمن لها الاستمرارية كفريضة دينية.

لِمَ تناضل الشعوب؟ أليس من أجل الحرية والكرامة والحياة الإنسانية الطيبة في ظلال العدالة، بقوانين لا يفصّلها الطغاة، وبدستور يصون ثوابت الأمة وأمنها، لا يدور مع الحكام، فباسم القانون الآن تيران وصنافير غير مصرية؛ لتفتح المياه الإقليمية للاحتلال الصهيوني في سرقة قرن جديد، وباسم القانون يعدم الأبرياء، وباسم القانون يعتقل ويُؤسر الآلاف، وباسم القانون تصادر الممتلكات الخاصة، وباسم القانون يتم تهجير الأهالي والإزالات .. ويكون القانون على سكان القبور لا سكان القصور!!

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: ".. ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له: عملية جديدة من عمليات البناء .. عملية تعميق للأساس، وتقوية للجدران. وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق. إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة، وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان، كان الوقت قد فات. كان البناء الذي أسسه حسن البنا قد استطال على الهدم، وتعمق على الاجتثاث. كان قد استحال فكرة لا يهدمها الحديد والنار، فالحديد والنار لم يهدما فكرة في يوم من الأيام. واستعلت عبقرية البناء على الطغاة الأقزام، فذهب الطغيان، وبقى الإخوان. ومرة بعد مرة، نزت في نفوس بعض الرجال- من الإخوان – نزوات .. وفي كل مرة سقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة، أو انزوت تلك النزوة، ولم تستطع أن تحدث حدثا في الصفوف. ومرة بعد مرة، استمسك أعداء الإخوان بفرع من تلك الشجرة، يحسبونه عميقا في كيانها، فإذا جذبوه إليهم جذبوا الشجرة، أو اقتلعوا الشجرة .. حتى إذا آن أوان الشد خرج ذلك الفرع في أيديهم جافا يابسا كالحطبة الناشفة، لا ماء فيه ولا ورق ولا ثمار! إنها عبقرية البناء، تمتد بعد ذهاب البناء..".

يا  حراس العقيدة ويا حماة الأوطان .. قد ترك لكم البنا ومن بعده ميراثا من حركة دعوية عامة، وإسلامية سياسية جامعة، حركة تعتمد التربية والتكوين والتأهيل من الفرد حتى الحكومة، مرورا بالأسرة، حركة عالمية تعمل على التحرير والوحدة العربية والتضامن الإسلامي، حركة إصلاحية لا انقلابية، حركة تجديدية اجتهادية معتدلة بين محكمات الأصل ومقتضيات العصر، حركة توفيقية تجمع الناس المختلفين.

أيها الصابرون والصامدون والقابضون على الجمر في زمن الفتن:

لا تهنوا، و لا تحزنوا، ولا تتألموا، وكونوا مع الله يكن الله معكم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (الإسراء: 128)، واعلموا  أن الصراع قائم ومستمر بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وسالك الطريق وناكبه، وبين صاحب الحق وغاصبه، وبين المخلصين الغيورين واﻷدعياء المزيفين، ولنعلم يقينا أن الله معنا؛ فلا نحزن، وأن الله سيهدينا، ونستحق وعده ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).

 

الصبر الجميل؟ وما أروع مدرسة سيدنا يعقوب عليه السلام !

يقول ابن القيم: الصبر هو احتواء الروح للقلق، وحصر اللسان من الشكاوى، وبغياب الصبر لا يُنال مقام الإمامة في الدين، فالله تعالى اشترط لأئمة الدين بلوغهم مبلغاً من الصبر واليقين، يقول تعالى: (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (الأنبياء: 73)، يقول ابن القيم رحمه الله تعليقاً على هذه الآية، ومنزلةِ الإمامة: "أخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله، باحتمال مشاق الدعوة، وكف النفس عما يوهن عزمه، ويضعف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى" (أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية).

 

وما أعظم قصة سيدنا يوسف عليه السلام!!

من قصته تعلمنا أن لا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله؛ فالناس إما محب وإما مبغض، والمحب سيحزن لأجلي، والمبغض سيشمت بي، وكلاهما لا يملك من أمر حزني شيئًا، فلماذا لا أشكو بثي إلى من بيده الأمر كله؟!

من قصته تعلمنا أن الله دومًا يختار سلاحًا للمعركة لا يخطر على بال أحد، كان قادرًا أن يُرسل ملائكة ليحطم جدران السجن ويُخرجه، ولكنه أرسل إلى الفرعون حُلُمًا!

من قصته تعلمنا أن المعدن الأصيل لا تُغيره الأماكن، في السجن قيل له "إنا نراك من المحسنين"، وعلى كرسي الملك طلبوا منه العفو لأنهم رأوه من المحسنين!

ولقد علمنا التاريخ:

أنه إذا استحكم شيء في مواجهة الدعوة، أو أظلمت الدنيا من حولهم لم يفقد الإخوان ثقتهم، ولم تهتز خطواتهم، بل أحسنوا التوكل على الله، ولجئوا إلى الدعاء والاستغفار، وطلب العون من الله، وحرصوا على دعاء السحر وقيام الليل، فهذا هو باب النجاة والفلاح بعد استفراغ الجهد من الأخذ بالأسباب ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...﴾ (الطلاق: 2 - 3).

فالدعاء الدعاء  استمطارا للرحمات والنفحات الربانية ونصر الله آت لا محالة، ووعده صدق:

(اللّهم هب لنا توفيقا ينير الطّريق، وهداية تقي العثرات، وعناية تأخذ باليد إلى الحق، ويقينا يزيل اللّبس في مواطن الشبهات، وتأييدا يثبّت الأقدام في مواقع الزلل، وثباتا يعصم من الفرار في ميادين الصّراع بين الخير والشّر، وصبرا يزع عن النّكوص على الأقدام، وشجاعة تفلّ الحديد، وتنسخ آية هذا العصر الجديد، وبيانا يفحم الخصم في مواقف الجدل، وعفّة تقهر الغرائز الجامحة والشهوات العارمة والمطامع المعترضة بكلّ سبيل، وأفض علينا لطفا يصحب خفايا الأقدار عند حلول المصائب، وأصحبنا ولاية منك تخرجنا من الظلمات إلى النور.

اللّهم جنّبنا زلّة الرأي، وزلزلة العقيدة، ودغل الضمير، ورين البصيرة، وخيبة الرّجاء، وطيش السّهام، وجنّبنا الخوف من غيرك، والجحود لخيرك، والبخل عليك برزقك، والرّهبة من عدوّك، والضّلال في معرفتك، والهجر لكتابك والشّكّ في وعدك، والإستخفاف بوعيدك، والدخّل في الإنتساب إليك) ... آميـن.

 

 

 © 2021 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين