إصدارات المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

 

 

 

الملهم الموهوب

 

 

صفحتنا بيضاء

 

 

أبحاث ودراسات

 

 

من معين التربية الإخوانية

 

إإصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين

22 - 2 - 2019م

  17 جماد الآخر 1440 هـ

العدد 1019

 

 

 

من المنهاج

 

 

الإنتماءُ الحركي ... وأزمة القاعدين الناقدين

 

بقلم: خونا أحمد محمود

 

 

السادسة والأخيرة

 

إقرأ .. وربك الأكرم

 

وفي ختام هذا المقال يحسن بنا في نهايته، الإشارة إلى بعض معاني لفظ (الكرامة) المقصودة في هذه الآية، التي جعلناها ترجمة وعنوانا لهذه الفقرة الختامية، والتي أزعم فيها أنّ التكريم الموعود به هنا، والذي هو ثمرة القراءة والمثاقفة، إنّما هو القدرة على إنجاز الأفكار والتحرك بها في أرض الواقع.

وقديما تسرع العلامة علال الفاسي رحمه الله حين سخر من مدرك التابعي الجليل عكرمة لمعنى التكريم الوارد في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر..) فقال عن نفسه في كتابه "مقاصد الشريعة ومكارمها" ما نصه:

(قرأتُ وأنا صغير ما ينقله المفسرون عن عكرمة في تفسير قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، وكنت تحت تأثير استضعاف المفسرين له أضحك على عكرمة، واعتبره بعيدا عن إدراك المعنى القرآني، ولكنني بعد ذلك منذ أخذت أتدبر القرآن، أدركت ما في تفسير عكرمة من العمق، وما في انتقاد منتقديه من قلة الفهم، إنّ عكرمة لا يعني أن الله خلق لنا أصابع فيجب أن نأكل بها ولا نستعمل غيرها من الأدوات، ولكنه يعني أنّ الله ميّز الانسان عن غيره من الحيونات..).

وأزعم أنا أنّ علال الفاسي رحمه الله بقوله هذا كأنه لم يدرك بعد تمام المعنى الذي قصد عكرمة رضي الله عنه، فهو يقصد أن التكريم الانساني يتجلى في قدرة الإنسان على التناول والتنقل والحركة، وهو نفس المعنى الذي فسر به عطاء رضي الله عنه الآية فقال: (كرّمهم بتعديل القامة وامتدادها) فنلحظ هنا أنّ كلا من الإمامين التابعيين ظهر لهما التكريم في معنى الاقتدار على الحركة، وقد فطن الطبري لهذا فقال: (وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره).

فحركية الانسان وقدرته على التحرك والانبعاث هي من أجلى نعم التكريم الإلهي التي تستوجب شكره العملي بالتحرك السديد بالعمل الصالح، ولأجل هذا ثبت في أحاديث كثيرة أن المسلم مطالب بالتصدق كل يوم شكرا لله تعالى على هذه النعمة ومثال ذلك حديث: (يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس) والسُّلامى هي المفاصل، وقد اعتبر ابن حجر في "الفتح" أن هذه الصدقات إنّما (شرعت بسبب عتق المفاصل)، وجاء في روايات قوله عليه السلام: (في الانسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة) وقال الصحابة حين سمعوا ذلك (ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟..) فجاء جوابه صلى الله عليه وسلم شاملا لكل مناحي الحركة، ومنسجما مع معنى شمول الإسلام إذ قال لهم - كما في رواية مسلم - : (خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبّر الله، وحمِد الله، وهلّل الله، وسبّح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عددَ تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه النار).

فانظر كيف جمعت روايات هذا الحديث الكثيرة في سياق واحد بين العمل الخير والعمل التربوي والعمل السياسي وغيرها من الأعمال التي لا ينجزها إلاّ العاملون الصادقون من أهل الوعي الذين يدركون أهمية العمل الجماعي والانتماء الحركي.

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمركز الإعلامي للإخوان المسلمين